
بسم الله الرحمن الرحيم
بيان بمناسبة مرور ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب في السودان
الرحمة والمغفرة وعالي الجنان لشهداء الوطن الأبرار، وعاجل الشفاء للجرحى والمصابين، وعوداً كريماً حميداً للنازحين واللاجئين والمغيبين قسرياً إلى ديارهم وأهلهم.
شعبنا الأبي،
لقد شهد العام المنصرم تصعيداً وحشياً فاق التصور؛ إذ وثّق العالم أجمع الجرائم البشعة ضد الإنسانية التي شهدتها مدينة الفاشر، والتي جسدت أبشع صور الاستهداف الممنهج للمدنيين. كما استمر القصف العشوائي والمتعمد للمرافق الحيوية، وشمل الأسواق (مثل: سوق مواشي المجلد، سوق مندري، سوق الغرير، سوق ابوزبد، وسوق أم عدارة، وغيرها من عديد الانتهاكات)، والمستشفيات (مثل: مستشفى الضعين، ومستشفى الجبلين، وغيرهما عديد من الانتهاكات)، بالإضافة إلى المؤسسات التعليمية ودور العبادة. لقد تحولت هذه الأعيان المدنية من ملآذات آمنة إلى أهداف للموت والدمار، مما يمثل انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية وجرائم حرب لا تسقط بالتقادم.
شعبنا الصابر الصامد،
مع انقضاء العام الثالث ودخولنا العام الرابع لهذه الحرب الكارثية، نجد أنفسنا أمام واقع مرير يتسم بتراكم مأساوي للضحايا الأبرياء، والانتهاكات الجسيمة، وتفشي الفساد، والانتكاسات المتلاحقة؛ حيث لا يزال المواطن السوداني يرزح تحت وطأة ويلات النزاع وتداعياته القاسية. إن استمرار “مطحنة الحرب” والتراشق الإعلامي، في ظل انسداد الأفق السياسي وغياب الرؤية الوطنية الموحدة، لم يسفر إلا عن مزيد من الدمار وتغييب العدالة. وتتبدى ملامح هذه المأساة بوضوح في الأصعدة التالية:
● إنسانياً: يعاني الملايين من النازحين والمهجرين من غياب المقومات الأساسية للحياة، وسط تدهور مريع في الخدمات الصحية والبيئية والأمن الغذائي، مما يهدد الكرامة الإنسانية التي كفلتها كافة المواثيق الدولية.
● أمنياً: تستمر الانتهاكات الممنهجة بحق المدنيين العزل، واستباحة الدماء في الأسواق والمستشفيات والمنازل، في تجاوز صارخ لحقوق المواطن وللقانون الدولي الإنساني.
● اقتصادياً: يواصل الجنيه السوداني انهياره أمام العملات الأجنبية، تزامناً مع غلاء فاحش يثقل كاهل الأسر. كما تمددت شبكات الفساد والمحسوبية، مما يعيق أي جهد للإصلاح أو التعافي الاقتصادي المنشود.
● اجتماعياً: تسببت الاستقطابات الحادة في تآكل النسيج المجتمعي، وتفشي خطاب الكراهية والتحريض العرقي والإثني، وتجريم الرأي الآخر، مما بات يهدد وحدة البلاد واستقرارها المستقبلي.
انطلاقاً من مسؤوليتنا السياسية والأخلاقية والتاريخية تجاه المواطن والوطن، ونحن نطوي العام الثالث من هذا النزيف الدامي، نؤكد على الآتي:
1. الإدانة والمحاسبة: نُدين بشكل قاطع كافة أشكال استهداف المدنيين، ونطالب بتحقيق دولي مستقل وشفاف في جميع الانتهاكات التي طالت المدن والقرى والمستشفيات والأسواق والأحياء السكنية خلال العام الماضي وما سبقه، ومساءلة كل من خطط، أو نفذ، أو وفر غطاءً سياسياً وإعلامياً لهذه الجرائم، بلا استثناء.
2. الوقف الفوري للعدائيات: نطالب بالوقف الفوري وغير المشروط للقصف على المناطق السكنية، والالتزام الصارم بمبدأ التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية وفقاً لاتفاقيات جنيف.
3. الأولوية الإنسانية: إن فتح الممرات الإنسانية وتأمين وصول المساعدات ودعم الناجين لم يعد مجرد مطلب، بل هو الأولوية القصوى التي يجب أن يلتف حولها الحراك الشعبي والوطني والمجتمع الدولي.
4. الحل السياسي الشامل: يؤكد تاريخ النزاعات في السودان حقيقة واحدة؛ وهي أنه لا تملك جهة أو مؤسسة بمفردها مفاتيح الحل ، إن المخرج الوحيد يكمن في حوار (سوداني- سوداني) جامع، يضم كافة المكونات المجتمعية والقوى الوطنية المدنية، لبناء دولة قائمة على التوافق، العدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة.
إن إيقاف نزيف دماء الأبرياء يتطلب إرادة سياسية حقيقية وشجاعة، ونؤكد أن السلام العادل والمستدام في السودان لا يمكن أن يُبنى على إنكار الجرائم أو حماية الجناة، بل يجب أن يتأسس على مبادئ العدالة، وعدم الإفلات من العقاب، وجبر الضرر، والمحاسبة التاريخية الشاملة.



