
▪️خلونا في الصورة
▪️صباح أحمد
طفلٌ حديث الولادة وُجد مدفوناً أمس في التراب، لا يظهر منه إلا رأسه، وفيه بقية من روح.
وقف الناس عاجزين أمام قسوة المشهد، حتى توفاه الله قبل أن تمتد إليه يد رحمة.
رحل صغيراً.. وترك خلفه وجعاً كبيراً وأسئلةً لا تنتهي عن الرحمة التي غابت من بعض القلوب.
لكن الأكثر إيلاماً أن هذا المشهد لم يعد نادراً… بل صار يتكرر بأشكال مختلفة، وكأن البراءة أصبحت عبئاً يُتخلّص منه لا أمانةً تُصان.
▪️وقبل أيام، وقرب مسجدٍ في إحدى مدن البلاد الكبرى، توقّف المصلون على وقع بكاءٍ خافت، صوتٍ لا يشبه سكينة المكان ولا وقار اللحظة. اقتربوا بحذر، فصُدموا بـ”كرتونة” صغيرة وُضعت على هامش الطريق، بداخلها طفل حديث الولادة، ملفوف بخرقة قماش، يصارع للبقاء حيّاً دون أن يدرك لماذا تخلّت عنه الأيدي التي كان يُفترض أن تمتد إليه بكل الحنان والاحتواء.
لم تكن تلك الحادثة الأولى، ولن تكون الأخيرة -كما يبدو – في ظل هذا الانحدار الأخلاقي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بمرارة: كيف وصل بنا الحال إلى أن تُرمى “الحياة” وتُلقى “البراءة” في قارعة الطريق بهذه القسوة؟! وكيف تُغتال الطفولة بلا ذنبٍ جناه الصغار؟!
▪️فخلال الشهور الماضية، تفشّت بصورة مزعجة ظاهرة اجتماعية سالبة، وإن شئنا الدقة فهي جريمة مكتملة الأركان تتطلب وقفة حاسمة وحازمة، في أعقاب تزايد حالات العثور على أطفال في مكبات النفايات، وتحت الأشجار، وفي المركبات العامة.. بل بلغت القسوة ذروتها في وقائع تقشعر لها الأبدان، كالتخلّص من هؤلاء الأبرياء حرقاً لمداراة آثار الجريمة.
والسؤال المُلحّ: كيف لقلب “أم” أن يقسو لدرجة أن تُلقي بقطعة منها في “كوشة”؟! وكيف تتحوّل لحظة الميلاد — التي هي فجر حياة — إلى بداية لمأساة قد تنتهي بالموت أو الضياع؟!
وبالطبع فإن ما يُتداول في وسائل التواصل الاجتماعي عن هذه الظاهرة السالبة لا يمثّل إلا قمة جبل الجليد، أما الحقيقة المخفية فهي بلا شك أعظم وأخطر.
▪️ قديماً، كانت هذه الظاهرة ترتبط بضجيج العاصمة الخرطوم، وكانت المعالجة تنحصر في تأسيس دور رعاية لمجهولي النسب وفاقدي السند الأسري.. لكن المؤسف اليوم أن هذه الفجيعة لم تعد حبيسة العاصمة، بل تمدّدت نحو الولايات بعد اندلاع الحرب، مما يشير إلى خللٍ بنيوي بدأ ينهش في جسد التماسك الاجتماعي والقيمي الذي كانت تمتاز به مجتمعاتنا.
▪️ بين تعقيد “الحلال” وانفلات “الحرام”، تكمن جذور هذه المأساة في التفكك الأسري، وتأثيرات الانفتاح الرقمي السلبي، ونمو العلاقات المحرّمة التي ازدهرت في مقابل التعقيد المتعمد للعلاقات الشرعية.
فقد استحال الزواج في مجتمعاتنا إلى مهرجان استعراضي مثقل بالمغالاة في المهور والتكاليف، حتى تحوّل الميثاق الغليظ إلى عبءٍ مادي لا يُطاق.
وحتى في دوائر الزواج القائمة، نشهد انفصالاً متزايداً يعكس غياب الوعي بالمسؤولية الأخلاقية، وتراجع قيم الاحتواء والتوجيه.
▪️ ومؤكد أن مواجهة هذا الواقع لا تكون بالاستنكار خلف الشاشات، ولا بالاكتفاء بالحزن المؤقت، بل بالمعالجة الحكيمة والفعل الجاد.
وذلك عبر تيسير الزواج كأولوية قصوى، لقطع الطريق أمام الانحراف، وتعزيز الوعي الديني والأخلاقي لدى الشباب والفتيات.
إلى جانب العودة لمبدأ الاحتواء والتوجيه بدلاً من سياسة النبذ التي تضاعف الجريمة، مع ضرورة الردع القانوني وتشديد العقوبات، وتوسيع دور المؤسسات الاجتماعية لحماية هؤلاء الضحايا الأبرياء.
▪️ ما يحدث ليس حوادث عابرة، بل جرس إنذار يهدد منظومة قيمنا.. فكل طفل يُلقى في الشارع هو دليل على خلل في “الرحمة الإنسانية” قبل أن يكون خللاً مجتمعياً.
فدعونا نبحث عن حلول جذرية قبل أن تصبح “الكراتين” بديلاً لأحضان الأمهات، وتتحول شوارعنا إلى مأوىً بارد لأطفال لا ذنب لهم في قسوة هذا العالم.
فأيُّ مجتمعٍ نريد أن نكون، إذا جفّت فيه الرحمة قبل أن تجفّ الدموع؟!
