
▪️خلونا في الصورة
▪️صباح أحمد
▪️أصدر رئيس مجلس الوزراء الانتقالي كامل إدريس قراراً بحظر استيراد بعض السلع، التي اعتبرها كمالية وغير ضرورية في خطوة تهدف – بحسب منطوق القرار – إلى الحد من تدهور سعر الصرف وتخفيف الضغط على النقد الأجنبي. هذا القرار يضعنا أمام تساؤل جوهري يتجاوز لغة الأوراق الرسمية: هل يمثل الحظر مخرجاً حقيقياً للأزمة، أم أنه مجرد هروب إلى الأمام؟
قرارات تقييد الاستيراد قد تخفف الضغط مؤقتاً على العملة، لكنها من دون إنتاج محلي قوي قد تفتح أبواب الندرة والغلاء والسوق الموازي.
نظرياً، قد يبدو حظر السلع وسيلة سريعة لحماية الجنيه، لكنه في الواقع أقرب إلى “مسكّن مؤقت” سرعان ما تظهر آثاره الجانبية الصادمة. فالحظر لا ينجح إلا إذا استند إلى بدائل محلية جاهزة قادرة على سد الفجوة وتلبية الطلب. وفي ظل غياب إنتاج وطني كافٍ، فإن النتيجة المتوقعة ليست سوى ندرة في السلع، وقفزات سعرية متتالية، وانتعاش للتهريب والسوق الموازي؛ وهي نتائج تحمل آثاراً تضخمية قد تفوق كلفتها أي توفير مفترض في النقد الأجنبي.
اقتصادياً، نحن لا نوفر العملة الصعبة بقدر ما نغيّر مسارها؛ فالدولار الذي كان يمر عبر القنوات الرسمية لتمويل استيراد منظم سيتحول إلى الأسواق غير الرسمية لتمويل سلع تدخل بطرق خفية، بلا رقابة جودة ولا عوائد جمركية تدعم خزينة الدولة. واستقرار العملة لا يتحقق بالانغلاق، بل بالتحول من اقتصاد استهلاكي إلى اقتصاد إنتاجي، عبر دعم حقيقي للزراعة والصناعة وخفض تكلفة الإنتاج، بحيث يصبح المنتج المحلي خياراً أولاً للمواطن بجودته وسعره، لا نتيجة لقرار حظر.
أما اجتماعياً، فإن أخطر ما تفرزه هذه السياسات هو “سيكولوجية الندرة”، حين تتحول رحلة الحصول على السلع الأساسية إلى عبء مادي ونفسي على رب الأسرة. فالغلاء الناتج عن غياب المنافسة يضعف الاستقرار الأسري، ويمنح تجار الأزمات مساحة أوسع، ويجعل المواطن يتحمل فاتورة قرارات لم تسبقها خطة واضحة للإحلال والإنتاج.
بناء الاقتصاد لا يبدأ بإغلاق الموانئ، بل بفتح المصانع. فالحظر دون خطة إحلال وطنية شاملة ليس حلاً للأزمة، بل إعادة تدوير لها، وعبء إضافي يثقل كاهل المواطن الذي يجد نفسه يدفع ثمن غياب الرؤية الإنتاجية من قوت يومه.
لكن ..السؤال الأهم.. هل نبدأ بالمنع أم بالتمكين؟
