
▪️خلونا في الصورة
▪️صباح أحمد
في خطابه أمس رسم حميدتي ملامح موقفه من الحرب والسلام، وقال إنهم لا يريدون الحرب ويسعون لإيقافها، وأكد أن موافقتهم على وقفها ليست نابعة من ضعف..
لكن، بعيداً عن لغة الدبلوماسية، يروي الواقع الميداني قصة تفكك تنظيمي حاد؛ قصة مفارقة كبرى لا تكمن في “إرادة التوقف”، بل في “القدرة على اللجم”. فالمشهد اليوم يضعنا أمام هيكل عسكري تائه، تبدو فيه القيادة في وادٍ، والميدان في وادٍ آخر تماماً.
▪️إن ظاهرة “فيديوهات المناشدة” التي يوجهها الجنود والضباط الميدانيون لقيادتهم عبر الفضاء العام، تحت شعار.. “الرسالة دي لازم تصل حميدتي”،أو “لازم تصل عبد الرحيم” ليست مجرد خلل تقني في الاتصال، بل إعلان صريح عن سقوط المركزية. ففي العقيدة العسكرية، الانضباط هو لغة الجيوش، أما حين يضطر المقاتل لاستجداء قائده عبر البث المباشر والمنصات العامة، فنحن أمام منظومة فقدت عصبيتها التنظيمية، وتحولت إلى مجموعات شتات تخضع لقانون “أمراء الحرب” الميدانيين أكثر من خضوعها لأوامر القيادة العليا.
وما يعزز هذا التفكك هو ما يتسرب من شهادات بعض القادة الميدانيين أنفسهم، والتي تشير بوضوح إلى غيابه حميدتي الفعلي عن مسرح العمليات. هذا الغياب لم يترك فراغاً إدارياً فحسب، بل كسر أيضاً الهيبة القيادية؛ فالجندي الذي يقاتل في الهجير لا ينصاع بسهولة لقرار يأتي من خلف الشاشات أو من غرف بعيدة عن غبار المعارك. لقد أصبح حميدتي، في نظر كثير من مقاتليه، أقرب إلى “قائد رمزي” منه إلى “قائد عملياتي”.
▪️الأزمة هنا أعمق من مجرد غياب التنسيق؛ فنحن أمام تحول بنيوي في طبيعة المقاتل نفسه، بعد أن تلاشت القضية السياسية خلف ضباب “اقتصاد الغنائم”. وحين تتحول الحرب إلى مصدر رزق وميدان للمكاسب الفردية، يتحول المقاتل من “جندي” إلى “شريك”، والشريك لا يقبل بسهولة بقرار يقطع عليه سبل كسبه.
هنا يبرز السؤال المهم.. هل يملك حميدتي فعلياً القدرة على فرض الإذعان على هذه الجزر المنفصلة؟! وكيف لقرار وقف الحرب أن يجد طريقه إلى التنفيذ وسط قوي ميدانية متفرقة تتحرك بدوافع الانتقام أو الغنيمة، في ظل قيادة فقدت التماس المباشر مع الأرض؟!
▪️إن “الدعم السريع” اليوم يواجه لحظة الانشطار الكبرى بين السياسي الذي يبحث عن مخرج، والميداني الذي أدمن الفوضى. لذلك، فإن إنهاء الحرب لم يعد رهيناً بتوقيع جنرال على ورقة، بل بمدى قدرته على استعادة سيطرة مفقودة على كيان انفلت من قبضة صانعيه، ولم يعد يسمع سوى صدى حركته المنفلتة.
