
■أثار خبر تقدم وكيل نيابة بطعن إداري أمام المحكمة العليا بكسلا، ضد رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان والنائب العام، موجة عارمة من الجدل السياسي والقانوني. وتأتي خطورة هذا الطعن من استناده إلى شبهة عدم مطابقة التوقيع الوارد في القرار السيادي رقم (49/2025م) للتوقيع المعتمد للبرهان في المستندات الرسمية الأخرى، ومطالبة الطاعن بإجراء مضاهاة فنية عبر الجهات المختصة.
وربما تزداد أهمية القضية من واقع أن الطاعن ذكر أنه أمضى نحو عامين في مراجعة ومقارنة ما يقارب 400 قرار ومستند رسمي منسوب صدورها إلى رئيس مجلس السيادة وتحمل توقيعه، قبل أن يتقدم بالطعن بعد أن خلص إلى ملاحظات تتعلق بالتوقيع محل النزاع. غير أن هذه المراجعات، مهما بلغ حجمها، تظل جزءاً من دفوع الطاعن ورؤيته للوقائع، ولا ترقى وحدها إلى مرتبة الدليل القاطع ما لم تسندها نتائج الفحص الفني والإجراءات القضائية المختصة.
■ولكن، وبعيداً عن العناوين المثيرة والانطباعات المسبقة، فإن قراءة هذه القضية من زاوية قانونية ومنطقية مجردة تقتضي التوقف عند عدد من الحقائق والفرضيات الأساسية.
أولى هذه الحقائق هي أن مجرد تقديم الطعن لا يعني بأي حال من الأحوال صحة الاتهام. فالصفة القانونية تمنح أي شخص الحق في التقاضي ورفع الدعاوى، إلا أن تحويل الادعاء إلى حقيقة يمر حتماً عبر دهاليز الإجراءات القضائية والأدلة الفنية القاطعة. وعليه، فإن وجود الطعن في حد ذاته ليس دليلاً على وقوع التزوير، بل هو مجرد نقطة انطلاق لخصومة قانونية.
كما أن جوهر القضية لا يتمحور حول شخص رئيس مجلس السيادة، بل حول مشروعية وصحة التوقيع المذيل به القرار. ومن الناحية الفنية، يدرك خبراء فحص المستندات والخطوط أن التوقيع البشري ليس قالباً جامداً يتطابق بصورة كاملة في كل مرة، إذ تخضع الكتابة اليدوية لمتغيرات طبيعية كالسرعة، ونوع القلم، والظروف المحيطة بالموقع. ولذلك فإن وجود فروقات ظاهرية بين توقيعين لا يكفي وحده لإثبات التزوير، ويضعنا أمام عدة احتمالات منطقية لا بد للمحكمة من فحصها.
■وتتمثل هذه الاحتمالات في أن يكون التوقيع صحيحاً بالفعل ولكن شكله اختلف نتيجة لظروف الكتابة اللحظية، أو أن تكون عمليات النسخ والمسح الضوئي أو المعالجة الإلكترونية للمستند قد أثرت على مظهر التوقيع النهائي، أو حتى وجود تفويضات قانونية وإجراءات بروتوكولية داخلية لم يتطرق إليها الخبر الصحفي، وصولاً إلى الاحتمال الأخير وهو وجود خلل أو تزوير فعلي، وهو أمر لا يمكن الجزم به إلا بقطع الشك باليقين عبر تقرير الأدلة الجنائية.
أما إذا أسفرت المضاهاة الفنية عن عدم صحة التوقيع، فإننا لن نكون أمام مجرد خطأ إداري، بل أمام تداعيات مؤسسية بالغة الخطورة. فالسؤال لن يقتصر حينها على من الذي وقّع، بل سيمتد ليطال البنية الإدارية للدولة نفسها: كيف مر قرار بهذا الحجم عبر القنوات الرسمية؟ ومن الجهة التي اعتمدته ومررته للتنفيذ؟ وهل هناك مستندات سيادية أخرى طالها ذات الخلل وتستوجب المراجعة؟!
■وتأسيساً على ذلك، فإن الحدث الجوهري في هذه القضية ليس توجيه الاتهام في حد ذاته، بل نظر المحكمة في طعن يتعلق بصحة توقيع منسوب إلى رئيس مجلس السيادة على قرار سيادي. وبالتالي فإن أي حديث حالي عن تزوير مؤكد أو انهيار مؤسسي ليس سوى استنتاج متسرع لا تدعمه الوقائع المتاحة حتى الآن.
ويظل تقرير المضاهاة الفنية حجر الزاوية في هذه القضية، والوسيلة الوحيدة القادرة على نقل النقاش من فضاء الشكوك والتكهنات إلى أرض الحقائق القانونية المثبتة.
واليوم تكتسب القضية بعداً عملياً أكثر وضوحاً بعد أن حددت دائرة الطعون الإدارية بالمحكمة العليا بمدينة كسلا جلسة يوم 21 يونيو الجاري للنظر في الطعن رقم (1/2025م) المقدم ضد رئيس مجلس السيادة والنائب العام. وبذلك تنتقل القضية رسمياً من دائرة الجدل الإعلامي إلى منصة القضاء، لتتجه الأنظار نحو ما ستسفر عنه الإجراءات القانونية والفنية خلال الأيام المقبلة، باعتبارها الفيصل الحقيقي والوحيد في حسم هذا الجدل الدائر.
