
■ خلونا في الصورة
■ صباح أحمد
في العمل العام، لا يُنظر إلى المسؤول باعتباره شخصاً عادياً، لأن كل كلمة يكتبها، وكل صورة ينشرها، وكل رسالة يبعث بها، تصبح جزءاً من الخطاب الذي يمثله، شاء أم أبى.
لذلك لم يكن غريباً أن يثير منشور وزير الثروة الحيوانية والسمكية، أحمد التجاني المنصوري، وهو يحتفل بنجاح نجله في دولة الإمارات، موجة واسعة من الجدل. ليس لأن الناس تعترض على فرحة أب بابنه، فهذه غريزة إنسانية لا ينازع فيها أحد، وإنما لأن المناسبة جاءت في دولة تتهمها الحكومة السودانية بدعم الحرب وتأجيج الصراع، وقد وصل الخلاف بين البلدين إلى حد الطرد المتبادل للدبلوماسيين، والتصعيد في المحافل الدولية.
وأعاد المنشور إلى الأذهان تصريحات سابقة للوزير، قال فيها إنه يعتز بعلاقته مع الإمارات من الناحية الاقتصادية لا السياسية، مؤكداً أنه إذا غادر منصبه سيعود إليها، لأن أبناءه يدرسون هناك ويقيمون فيها.
وهنا تبرز الأسئلة المشروعة..
إذا كانت الإمارات – بحسب الموقف الرسمي للدولة – طرفاً في الأزمة، فكيف يوفق أحد أعضاء الحكومة بين هذا الموقف وبين خطاب شخصي يحمل كل هذا القدر من الود تجاه الدولة نفسها؟ وإذا كان الأمر لا يتجاوز البعد الإنساني والأسري، فأين التقدير السياسي الذي يقتضي أن يدرك المسؤول العام أن رسائله لا تُقرأ بوصفه فرداً، وإنما بوصفه مسؤولاً يشغل موقعاً تنفيذياً في الدولة؟
وبالطبع فإن المشكلة ليست في نجاح الابن، ولا في مكان دراسته، ولا في حق أي أسرة في اختيار مستقبل أبنائها. المشكلة في التناقض الذي يراه كثير من المواطنين بين خطاب سياسي رسمي شديد اللهجة، وبين رسائل يبعث بها بعض المسؤولين توحي بأن الأزمة لا تمنعهم من الاحتفاء بالدولة التي تتهمها حكومتهم.
أما المواطن البسيط، الذي يُطلب منه الصبر وتحمل أعباء الحرب، فلا يملك رفاهية الفصل بين “الشخصي” و”الرسمي”. فهو يرى الوزير وزيراً في كل الأوقات، ويتوقع منه أن يعي حساسية موقعه، وأن يزن كلماته ومنشوراته بميزان المسؤولية قبل أن يضغط زر النشر.
لأن السياسة لا تُقاس بالبيانات الرسمية وحدها، وإنما أيضاً بالرسائل التي يبعث بها المسؤولون إلى الرأي العام. وعندما تتناقض هذه الرسائل مع الخطاب الرسمي، تتسع فجوة الثقة، ويزداد ارتباك المواطن الذي يحاول أن يفهم حقيقة الموقف.
وفي زمن الأزمات، تحتاج الدول إلى خطاب واحد لا إلى خطابين، وإلى رسالة متماسكة لا إلى رسائل متناقضة؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس اختلاف الروايات، بل أن يفقد المواطن القدرة على التمييز بين ما تقوله الدولة… وما يكتبه مسؤولوها على صفحاتهم الشخصية.
