
دراسة قانونية مقارنة حول تنظيم العلاقة بين قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2018م وقانون الصحافة والمطبوعات الصحفية لسنة 2009م.
_ورقة سياسات تشريعية مقترحة أعدها
وكيل النيابة أبشر دلدوم الختيم
—
مقدمة
يشهد العالم تحولاً غير مسبوق في وسائل إنتاج وتداول المعلومات نتيجة الثورة الرقمية وتنامي استخدام الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي.
وقد أدى هذا التحول إلى ظهور أنماط جديدة من العمل الإعلامي تجاوزت النموذج التقليدي للصحافة الورقية، وأفرزت واقعاً قانونياً جديداً يتمثل في الصحافة الإلكترونية والإعلام الرقمي.
وفي السودان، كما في كثير من الدول النامية، لم تواكب البنية التشريعية هذا التحول بالقدر الكافي، إذ ما زال قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية لسنة 2009 قائماً على فلسفة الصحافة التقليدية، في حين صدر قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2018 لمعالجة مخاطر الفضاء الرقمي دون أن يفصل بصورة كافية بين النشاط الإعلامي المشروع وبين الجرائم الإلكترونية.
وقد نتج عن ذلك جدل متكرر بشأن الأساس القانوني لمساءلة الصحفيين الذين يمارسون نشاطهم عبر الوسائط الإلكترونية، ومدى انطباق قانون مكافحة جرائم المعلوماتية عليهم.
وتسعى هذه الورقة إلى تقديم رؤية تشريعية متوازنة تعالج هذا الإشكال من خلال الاستفادة من التجارب المقارنة وصياغة نموذج تشريعي سوداني حديث للإعلام الرقمي.
—
المبحث الأول
التحول من الصحافة الورقية إلى الإعلام الرقمي
———————-
أولاً: تغير البيئة الإعلامية:
خلال العقدين الأخيرين فقدت الصحيفة الورقية احتكارها للمجال الإعلامي.
وأصبحت المنافسة الأساسية تتم عبر:
– الصحف الإلكترونية.
– المواقع الإخبارية.
– المنصات الإعلامية الرقمية.
– المدونات المهنية.
– القنوات الإعلامية على يوتيوب.
– حسابات الصحفيين على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأصبح الخبر ينتشر خلال ثوانٍ إلى ملايين المتلقين دون حاجة إلى الطباعة أو التوزيع التقليدي.
ثانياً: انهيار الحدود التقليدية بين الناشر والمتلقي
——————-
في النموذج التقليدي كان الصحفي ينشر عبر مؤسسة صحفية.
أما اليوم فأصبح الصحفي:
– منتجاً للمحتوى.
– ناشراً له.
– موزعاً له.
في الوقت ذاته.
وأصبح الحساب الشخصي للصحفي يؤدي أحياناً وظيفة تفوق الصحيفة التقليدية من حيث التأثير والانتشار.
—
المبحث الثاني
أوجه القصور في التشريع السوداني الحالي
—————–
أولاً: قصور قانون الصحافة والمطبوعات:
يلاحظ أن قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 2009م:
– وضع أساساً لتنظيم الصحف الورقية.
– لم يفرد تنظيماً متكاملاً للصحافة الإلكترونية.
– لم يضع تعريفاً للمنصات الإعلامية الرقمية.
– لم ينظم مسؤولية النشر الإلكتروني.
ثانياً: اتساع نطاق قانون مكافحة جرائم المعلوماتية:
في المقابل فإن قانون مكافحة جرائم المعلوماتية:
– ينظم البيئة الرقمية.
– يجرم أفعالاً تقع عبر الشبكات المعلوماتية.
– يمنح سلطات للتحري والملاحقة الجنائية.
إلا أنه لم يضع تمييزاً واضحاً بين:
– العمل الصحفي المشروع.
– الجريمة الإلكترونية.
الأمر الذي يخلق مساحة للاجتهاد والتفسير.
—
المبحث الثالث
الاتجاهات التشريعية المقارنة
———————
النموذج الفرنسي:
————
اعترفت فرنسا منذ وقت مبكر بالإعلام الرقمي باعتباره امتداداً للصحافة التقليدية.
وتخضع المؤسسات الإعلامية الرقمية لقواعد مهنية خاصة.
في المقابل تطبق قوانين الجرائم الرقمية على الأفعال التي تتجاوز النشاط الصحفي المشروع.
ويقوم النموذج الفرنسي على مبدأ:
“حماية الصحافة لا تعني الإعفاء من المسؤولية.”
—
النموذج الألماني
———–
يفرق القانون الألماني بين:
1. النشاط الإعلامي.
2. الجرائم الرقمية.
ويمنح المؤسسات الإعلامية الرقمية حماية واسعة في إطار حرية التعبير.
لكن الجرائم التي تمس الخصوصية أو البيانات أو الأمن الرقمي تخضع للتجريم.
—
النموذج البريطاني:
————-
يعد من أكثر النماذج توازناً.
إذ يجمع بين:
– حرية الصحافة.
– حماية السمعة.
– حماية الخصوصية.
– مكافحة المحتوى الضار.
مع إخضاع الجميع لسيادة القانون.
—
النموذج الإماراتي:
————-
اعتمدت دولة الإمارات نموذجاً تشريعياً مزدوجاً.
حيث توجد قوانين للإعلام وقوانين للجرائم الإلكترونية.
ويتم التمييز بين المخالفة المهنية والجريمة الجنائية.
—
النموذج المصري:
———–
اعترف المشرع المصري بالمواقع الإلكترونية ووسائل الإعلام الرقمية.
وأخضعها لتنظيم المجلس الأعلى للإعلام.
وفي ذات الوقت أبقى على سريان قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات على الجرائم الرقمية.
—
المبحث الرابع
النموذج التشريعي الأنسب للسودان
——————-
لا يبدو أن النموذج القائم على استبعاد قانون مكافحة جرائم المعلوماتية عن الصحفيين قابل للتطبيق.
كما لا يبدو أن إخضاع كافة أشكال العمل الصحفي الرقمي لقانون المعلوماتية وحده يحقق التوازن المطلوب.
وعليه فإن النموذج المختلط هو الأنسب للسودان.
—
أسس النموذج المختلط
——————
المبدأ الأول:
الاعتراف القانوني بالصحافة الإلكترونية:
ينبغي أن ينص القانون صراحة على أن:
“الصحافة الإلكترونية جزء من العمل الصحفي.”
—
المبدأ الثاني:
المساواة بين الصحافة الورقية والرقمية
منح الصحافة الرقمية:
– الحقوق.
– الامتيازات.
– الضمانات.
الممنوحة للصحافة التقليدية.
—
المبدأ الثالث:
التفرقة بين الخطأ المهني والجريمة الإلكترونية:
ليس كل خطأ صحفي جريمة معلوماتية.
ويجب الفصل بين:
_المخالفات المهنية:
مثل:
– عدم التحقق من المصادر.
– الإخلال بقواعد النشر.
_الجرائم الجنائية:
مثل:
– الابتزاز الإلكتروني.
– الاختراق.
– انتحال الشخصية.
– التلاعب بالبيانات.
– التحريض الإجرامي.
– التشهير المتعمد المجرم قانوناً.
—
المبدأ الرابع:
حماية حرية التعبير:
النص صراحة على أن: “لا يجوز تفسير أحكام قانون مكافحة جرائم المعلوماتية بما يؤدي إلى تقييد حرية الصحافة أو النقد المشروع أو حق الجمهور في المعرفة إلا بالقدر اللازم لحماية الحقوق والحريات الأخرى.”
—
المبحث الخامس
مشروع قانون الإعلام الرقمي السوداني:
الباب الأول
التعريفات
المادة (1)
يقصد بالإعلام الرقمي كل نشاط مهني يهدف إلى إنتاج أو نشر أو تداول المحتوى الإخباري أو الإعلامي عبر الوسائط الإلكترونية.
المادة (2)
يقصد بالمؤسسة الإعلامية الرقمية كل موقع أو منصة أو وسيلة إعلامية تمارس النشر الإلكتروني بصورة منتظمة.
—
الباب الثاني
الحقوق والحريات
المادة (3)
تكفل الدولة حرية الإعلام الرقمي وفقاً للدستور والقانون.
المادة (4)
تتمتع المؤسسات الإعلامية الرقمية بذات الحقوق المقررة للصحف التقليدية.
المادة (5)
يحظر فرض أي قيود على النشر الإلكتروني إلا بموجب القانون.
—
الباب الثالث
المسؤولية المهنية
المادة (6)
تلتزم المؤسسات الإعلامية الرقمية بأصول المهنة وأخلاقياتها.
المادة (7)
تنشأ مسؤولية مهنية عند مخالفة قواعد النشر.
المادة (8)
توقع الجزاءات المهنية بواسطة المجلس المختص.
—
الباب الرابع
المسؤولية الجنائية
المادة (9)
لا تحول الصفة الصحفية دون المساءلة الجنائية عند ارتكاب جريمة منصوص عليها قانوناً.
المادة (10)
تطبق أحكام قانون مكافحة جرائم المعلوماتية على الجرائم الإلكترونية المستقلة.
المادة (11)
يراعى عند اتخاذ الإجراءات الجنائية ضد الصحفي التناسب بين حماية المجتمع وضمان حرية الصحافة.
—
الباب الخامس
مجلس الإعلام الرقمي
المادة (12)
ينشأ مجلس مستقل للإعلام الرقمي.
المادة (13)
يتولى المجلس:
– تسجيل المؤسسات الإعلامية الرقمية.
– وضع المعايير المهنية.
– النظر في الشكاوى المهنية.
– إعداد مدونات السلوك.
—
التوصيات
1. تعديل قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية لسنة 2009.
2. الاعتراف القانوني الصريح بالصحافة الإلكترونية.
3. إنشاء قانون مستقل للإعلام الرقمي.
4. الإبقاء على قانون مكافحة جرائم المعلوماتية بالنسبة للجرائم الإلكترونية الحقيقية.
5. وضع ضمانات إجرائية خاصة بالعمل الصحفي.
6. إنشاء مجلس للإعلام الرقمي.
7. تدريب أعضاء النيابة والقضاة على قضايا الإعلام الرقمي.
8. إعداد مدونة وطنية لأخلاقيات النشر الإلكتروني.
—
الخاتمة
إن التحدي الحقيقي لا يتمثل في الاختيار بين حرية الصحافة وقانون مكافحة جرائم المعلوماتية، وإنما في بناء منظومة قانونية تحقق التوازن بينهما.
فحرية الصحافة تظل ركناً أساسياً في المجتمع الديمقراطي، غير أن الفضاء الرقمي أوجد مخاطر جديدة تستوجب تنظيماً قانونياً فعالاً.
ومن ثم فإن مستقبل التشريع السوداني ينبغي أن يتجه نحو الاعتراف بالإعلام الرقمي باعتباره واقعاً قانونياً مستقلاً، مع الإبقاء على الحماية الجنائية اللازمة للحقوق الفردية والأمن الرقمي، بما يحقق التوازن بين الحرية والمسؤولية وسيادة حكم القانون.
