
■ خلونا في الصورة
■ صباح أحمد
من الطاحونة إلى المائدة… القصة لم تكن مجرد حادثة تسمم غذائي عابرة في الدامر، بل جرس إنذار خطير يكشف سؤالًا أكبر..من يحرس غذاء الناس؟!
فما حدث في الدامر، وفق معلومات حصلنا عليها من مصادر موثوقة وقريبة من موقع الحدث، يرقى إلى كونه قضية أمن غذائي تمس حياة المواطنين، لا مجرد أرقام تُضاف إلى سجلات المستشفيات ثم تُطوى.
الحالات التي استقبلها مستشفى الدامر تلقت الرعاية الطبية اللازمة، وتعافى معظمها بحمد الله. لكن السؤال الذي يفرض نفسه.. هل هذه هي كل الحالات؟ أم أنها فقط الحالات التي تمكنت من الوصول إلى المستشفى؟ وهل توجد إصابات أخرى لم يُبلَّغ عنها أو لم تتلقَّ الرعاية الصحية؟
المسألة لا تُقاس بعدد من تلقوا العلاج، وإنما بحجم الخطر الذي قد يكون ما زال قائمًا إذا كانت هناك كميات من القمح أو الدقيق الملوث لا تزال متداولة.
وتشير المعلومات الأولية إلى أن حالات التسمم ارتبطت بدقيق قمح ملوث ببذور نبات “السيكران”. وإذا كانت الجهات المختصة قد أغلقت طاحونة وتحفظت على كميات من القمح، فإن ذلك لا يغلق الملف، بل يفتحه على أسئلة أكبر.
من أين جاء القمح الملوث؟ وهل تم تحديد مصدره بدقة؟ وهل اكتملت عمليات التقصي والتحقيق؟ وهل جرى حصر جميع الكميات المرتبطة به؟
وهل نُفذت حملات تفتيش شاملة على الطواحين والمخازن، خاصة في محيط سوق السبت بالدامر، للتأكد من عدم وجود كميات أخرى قد تشكل خطراً على المواطنين؟ وكيف اختلطت بذور “السيكران” بالقمح؟ وهل حدث ذلك في مرحلة الإنتاج، أم أثناء التخزين، أم خلال النقل أو الطحن؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة بعد إفادات عدد من المصابين، بحسب معلومات حصلنا عليها من مصادر صحية مطلعة، بأنهم اشتروا الدقيق الذي تناولوه من طواحين تقع بالقرب من سوق السبت بمدينة الدامر، أو من داخل السوق نفسه. وهي إفادات تستوجب التحقق العاجل منها، وتوسيع عمليات التقصي والتفتيش لتشمل جميع الطواحين والمخازن ونقاط بيع الدقيق في تلك المنطقة، ضماناً لسحب أي كميات يُشتبه في تلوثها قبل وصولها إلى مزيد من المستهلكين.
وفي تطور لا يقل أهمية، تفيد المعلومات ذاتها بأن بعض المصابين لم يتعاونوا مع فرق التقصي الصحي، وامتنعوا عن الإفصاح عن مصدر الدقيق الذي استخدموه، وهو ما قد يعرقل الوصول إلى مصدر التلوث. وهنا تبرز أهمية وعي المواطنين، فالتعاون مع فرق التقصي ليس مسؤولية فردية فقط، بل واجب لحماية المجتمع كله.
ويبقى السؤال..أين الجهات المعنية؟ أين وزارة الصحة؟ وأين الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس؟ وأين إدارة سوق الدامر؟ وأين نتائج التحقيق حتى هذه اللحظة؟ وهل أُخطرت المخابز والتجار والمواطنون بالمخاطر المحتملة والإجراءات الواجب اتباعها؟
ولأن الأمر تجاوز حدود حادثة تسمم عابرة، فإن حجم ما حدث يستوجب متابعة على أعلى المستويات. فمن الطبيعي أن يقف والي ولاية نهر النيل بنفسه على أوضاع المصابين، وأن يزور وزير الصحة موقع الحدث، ويتابع سير التحقيقات والإجراءات الاحترازية، بما يبعث برسالة طمأنينة للمواطنين ويؤكد أن الدولة تتعامل مع الأمر بالجدية التي يستحقها.
وبالطبع لا يقلل ذلك من الجهود التي بذلتها إدارة وزارة الصحة بالولاية بقيادة مديرها العام، فهي جهود تستحق التقدير، لكنها تحتاج إلى إسناد كامل من جميع الأجهزة التنفيذية والرقابية، حتى تُغلق منافذ الخطر قبل أن تصل إلى موائد مواطنين آخرين.
ففي مثل هذه القضايا، لا يكفي إعلان استقرار الحالات الصحية على أهميته.. ما يحتاجه الناس اليوم هو بيان رسمي شامل يجيب بوضوح.. ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ وما مصدر القمح الملوث؟ وما حجم الكميات التي جرى التحفظ عليها؟ وهل ما زالت هناك كميات أخرى يجري البحث عنها؟ وما الإجراءات التي اتُّخذت لحماية الأسواق والمستهلكين؟
فالشفافية ليست ترفاً إعلامياً، بل خط الدفاع الأول عن الصحة العامة. فكل معلومة صحيحة تصل إلى المواطن في الوقت المناسب قد تمنع إصابة جديدة، وكل تأخير في كشف الحقائق يفتح الباب أمام القلق والشائعات ويضعف الثقة في الإجراءات الرسمية.
وأخيراً..يبقى السؤال الذي ينتظر الجميع إجابته.. هل انتهت الأزمة فعلًا، أم أن التحقيق لم يكشف بعد كل خيوطها؟!
فهذا الملف لا ينبغي أن يُغلق بخروج المصابين من المستشفى، بل عندما يُعرف مصدر القمح الملوث، وتُسحب كل الكميات التي قد تشكل خطرًا على المواطنين، وتُحاسب أي جهة يثبت تقصيرها، ويطمئن المواطن إلى أن رغيف الخبز الذي يضعه على مائدته سيبقى مصدراً للحياة.. لا أن يتحول إلى مصدر خوف، أو سببٍ للمرض، أو طريقٍ إلى فقدان الأرواح.
