
لا يزال العمل الحزبي، حتى اليوم، الوسيلة الأكثر قبولاً لتنظيم الحياة السياسية في مختلف دول العالم. فعلى الرغم من اختلاف النظم السياسية وتباين الثقافات، لم تتمكن المجتمعات من إيجاد بديل أكثر فاعلية من الأحزاب السياسية لتداول السلطة، وتمثيل المواطنين، وصياغة البرامج العامة. أما محاولات إدارة الشأن العام عبر الواجهات الاجتماعية أو الأهلية أو الرياضية أو العسكرية، فقد أثبتت في كثير من التجارب أنها تزيد من تعقيد الحياة السياسية، وتخلط بين الأدوار، ولا تحقق الاستقرار أو التنمية المنشودة.
وفي الدول الغربية، ورغم رسوخ التجربة الحزبية، تمارس جماعات الضغط والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني تأثيراً واسعاً على صناعة القرار، حتى أصبحت في بعض الأحيان قادرة على توجيه الرأي العام والتأثير في أولويات الحكومات. غير أن هذه الأدوات لا تلغي دور الأحزاب، وإنما تعمل في إطارها وتحت مظلة النظام السياسي القائم.
أما في السودان، فإن مستقبل الحياة السياسية يظل مرهوناً بإصلاح الأحزاب نفسها قبل أي استحقاق انتخابي قادم. فالأحزاب التي كانت تمثل القوى الكبرى في انتخابات عام 1986م، مثل حزب الأمة القومي، والحزب الاتحادي الديمقراطي، والجبهة القومية الإسلامية، تعاني اليوم من الانقسامات والخلافات التنظيمية، وهو واقع لم يقتصر على الأحزاب الكبيرة، بل امتد إلى الأحزاب الصغيرة والمجهرية، حتى أصبح التشرذم سمة عامة أضعفت قدرتها على تقديم بدائل وطنية مقنعة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع إصلاح حزبي شامل يقوم على عدة مرتكزات.
١. أولها إجراء مراجعات داخلية حقيقية للقوانين الأساسية والهياكل التنظيمية، مع تفعيل دور الشباب والمرأة والفئات المهنية، وإنهاء ظاهرة احتكار القيادة لسنوات طويلة، إذ إن بعض الأحزاب لم تشهد تغييراً في قياداتها حتى مع العجز الكامل عن أداء المهام.
٢. أما المرتكز الثاني، فيتمثل في تجديد الخطاب السياسي ليتوافق مع تحديات السودان بعد عام 2026م فالقضايا التي هيمنت على مرحلة ما بعد الاستقلال قبل سبعين عاماً لم تعد وحدها تعبر عن أولويات المجتمع، الذي أصبح يواجه تحديات جديدة تتعلق بالاقتصاد، وإعادة بناء الدولة، والتحول الديمقراطي، والسلام، والتنمية، والتكنولوجيا، ودور الشباب.
٣. ويتمثل المرتكز الثالث في تشجيع قيام ائتلافات وكتل سياسية جديدة تقوم على البرامج والرؤى المشتركة، لا على الولاءات التاريخية أو الشخصية.
٤. كما أن الحاجة أصبحت ملحة لظهور أحزاب شبابية حديثة تعتمد البرامج والكفاءة والشفافية، وتخاطب تطلعات الأجيال الجديدة بلغة المستقبل.
إن إصلاح الأحزاب لم يعد خياراً سياسياً، بل أصبح ضرورة وطنية لضمان استقرار السودان وبناء نظام ديمقراطي قادر على المنافسة السلمية، وتحقيق تطلعات المواطنين في الحكم الرشيد والتنمية المستدامة.
*أمية يوسف حسن أبوفداية*
باحث وخبير استراتيجي مختص في شؤون القرن الإفريقي – القاهرة



