مقالات الرأي
أخر الأخبار

عُرس (الدوحة)

بقلم : عمر عبد السيد

 

تكتسب بعض الأزمنة والأماكن رمزية خاصة وتظل محفورة في الذاكرة؛ لارتباطها بحدث فريد ومناسبة أبهجت النفوس وأفرحتها. وكلنا يحتفظ بتاريخ ميلاده، وزواجه، وميلاد أبنائه، والكثير من المحطات على الصعيد الشخصي. أما على الصعيد الوطني، فنحن نحفظ أيام الاستقلال والفتوحات والإنجازات العظام.

وفي سجل مستشفى الدوحة التخصصي للأذن والأنف والحنجرة، تواريخ وأيام لا تُنسى؛ حيث يظل تاريخ الافتتاح في 15 يوليو 2008م يوماً مميزاً ومحفوراً في تاريخ الصحة في السودان، يليه يوم 18 أبريل 2009م، وهو اليوم الذي أُجريت فيه أول عملية زراعة قوقعة إلكترونية في تاريخ السودان، أي بعد أقل من عام من الافتتاح. وبعدها توالت الأحداث والمحطات، إلى أن اندلعت الحرب في اليوم المشهود، وأعقبها استئناف العمل جزئياً في 9 أغسطس 2025م. واليوم، في 5 أغسطس 2026م، يستأنف المستشفى مواصلة إجراء عمليات زراعة القوقعة الإلكترونية، كأول عملية تُجرى بعد التوقف بسبب الحرب.

هذه التواريخ ليست مجرد أرقام فحسب، بل تحمل في طياتها قصصاً وحكايات وعزيمة رجال لم تَلِنْ ولم تستسلم أو تكتفِ بالبكاء على اللبن المسكوب والجراح العميقة؛ رجال صدقت نياتهم وأتبعوها بأعمال وخطط ومصفوفات زمنية، فوفقهم الله ليكونوا السند للمرضى الذين تفرقت بهم السبل وانقطعت عنهم الخدمة لسنوات.

زرنا مستشفى الدوحة في أبريل 2025م والخرطوم لم تتحرر بالكامل، فوجدنا فريقاً من العاملين يرابطون في حراسة مؤسستهم وبيتهم. وكانت الحياة في محلية الخرطوم يومذاك تبدأ بشروق الشمس وتنتهي بمغيبها؛ لا حياة ولا حركة، لدرجة أننا كنا نرى القرود تلهو وتلعب على سطح المستشفى. معاناة في كل شيء، ولكنهم كانوا يعملون بصمت، ويزيلون آثار الخراب والدمار التي خلفها الأوباش. وبعد أربعة أشهر، جئنا لنشهد استئناف العمل جزئياً، فرأينا الفرحة والدموع تسيل من المرضى وأسرهم والعاملين والإداريين فرحاً بالعودة.

وجاء “يوم العرس” كما شبهه سعادة وزير الصحة الاتحادي (ممثل رئيس مجلس الوزراء) في كلمته خلال تدشين استئناف عمليات القوقعة؛ حيث اعتبرها حدثاً كبيراً وإضافة لخدمة نوعية تمثل علامة فارقة في عودة الخدمات الصحية التخصصية، مشيراً إلى تنفيذهم برنامجاً لدعم زراعة القوقعة في الفترة القادمة. وقدم الوزير تحاياه لكل رعاياه من الكوادر الطبية والصحية التي تعرضت لكثير من المخاطر. كما شهد العرس السفير القطري، الذي حُقّ له أن يفتخر بأن بلاده شيَّدت هذا المستشفى، مؤكداً استمرارهم في رعايتها ومواصلة مشاوير الخير والنماء. أما والي الخرطوم، فقد فرح لفرح مواطني ولايته الذين توفرت لهم الخدمة التي طال انتظارهم لها، وتكبدوا المشاق لإجرائها في الخارج.

أتت عمليات زراعة القوقعة بشراكة مع جمعية “قطر الخيرية” لإجراء 10 عمليات مجانية، ولفت ممثلها في كلمته إلى أن هذه الخطوة تعد بداية، وستتوالى المخيمات المجانية لرسم البسمة وعودة الحياة لمن فقدوا السمع.

نزجي تحية وتقدير لمنظمة صندوق إعانة المرضى، التي تُعتبر مستشفى الدوحة إحدى ثمارها إلى جانب ثمار أخرى منتشرة في اثنتي عشرة ولاية؛ فلهم كل الشكر والتقدير لجهودهم وبصماتهم الواضحة في دعم وإسناد تقديم الخدمات الصحية.

إن قصة عودة مستشفى الدوحة للعمل يجب أن تُسطَّر بأحرف من نور وتُنشر ليرى الآخرون كيف يولد الأمل من عمق الألم. إن هذه الأعمال وهذه الهمة العالية في البناء والإعمار خطوة بخطوة وبعون ذاتي ينبغي أن تكون الروح السائدة في كل مؤسساتنا الصحية، والصناعية، والتجارية، والخدمية، والإعلامية، والاقتصادية، والتنموية؛ لننهض ببلادنا ونقدم لهذا الشعب الصابر ما يستحقه من الكرامة.

شكراً لمنظمة صندوق إعانة المرضى وشركائها وكل العاملين بها وشكراً لإدارة مستشفى الدوحة وكل العاملين بها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى