تعاون دولي لمواجهة التطرف العنيف والأمم المتحدة تنظم المؤتمر الرابع لمكافحة الإرهاب بنيويورك

يتطور الإرهاب في ظل حالة من عدم الاستقرار العالمي، تتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية، واستمرار النزاعات، وتزايد الانقسام الدولي، الأمر الذي يستدعي أن تتطور الاستجابة الدولية أيضا لمواكبة هذا التحدي ، ويتصدر هذا الملف جدول أعمال أسبوع الأمم المتحدة الرابع لمكافحة الإرهاب، الذي يجمع أكثر من ألف مشارك من نحو 119 دولة، يمثلون الحكومات والمنظمات الإقليمية والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني والقطاع الخاص.
واستعرض ألكسندر زوييف، القائم بأعمال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، المشهد الحالي خلال كلمة ألقاها يوم الاثنين في قاعة الجمعية العامة.
الجماعات الإرهابية “قادرة على التكيف”
وفي افتتاح المؤتمر الرفيع المستوى لرؤساء أجهزة مكافحة الإرهاب الوطنية، قال زوييف إن الجماعات الإرهابية، مثل القاعدة وتنظيم داعش والجماعات المرتبطة بهما، “لا تزال قادرة على التكيف والصمود” ، وأضاف أنها أصبحت أكثر تطورا، لا سيما من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي واستغلال التهديدات السيبرانية وقال: “إنها تستغل حالة عدم الاستقرار، والثغرات في الحوكمة، وأوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، والتكنولوجيات الجديدة والناشئة، لتوسيع نطاق نفوذها، وتجنيد الأفراد، وحشد الموارد”، وأشار إلى ما أكده الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من أن “الإرهاب يتطور، ولذلك يجب أن نتطور نحن أيضا”. وأضاف أنه رغم تعقيد الطريق إلى الأمام، فإن الاتجاه واضح ، وقال: “من خلال الوقاية، والتعاون، والالتزام الراسخ بحقوق الإنسان، يمكننا بناء عالم أكثر أمنا، يعيش فيه الناس في كل مكان بمنأى عن الخوف”.
أهمية تنوع وجهات النظر
يصادف هذا العام الذكرى العشرين لاعتماد استراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب، وهي مناسبة قال الأمين العام انطونيو غوتيريس إنها تتيح فرصة لتقييم ما تحقق من تقدم وتعزيز الالتزام بالمضي قدما ، ورغم أن الدول الأعضاء تتحمل المسؤولية الأساسية عن منع الإرهاب ومكافحته، فإن الأمم المتحدة تواصل التأكيد على أهمية إشراك طيف واسع من الجهات الفاعلة، بما في ذلك ضحايا الإرهاب، والنساء، والشباب.
أصوات النساء ضرورية
دعت الدكتورة فاطمة علي حيدر، من شبكة جمعيات ضحايا الإرهاب، الحكومات إلى “ضمان إشراك الضحايا في وضع السياسات والاستراتيجيات”، مؤكدة أن “لدينا الكثير لنقدمه”، وأشارت الطبيبة والأكاديمية، التي نجت بنفسها من هجوم إرهابي، إلى نتائج أبحاث أجرتها أظهرت أن النساء يتأثرن بالإرهاب بصورة تختلف عن الرجال، إذ قد يؤدي إلى أشكال خطيرة من العنف القائم على النوع الاجتماعي ، وأضافت: “مع ذلك، فإن أصوات النساء غائبة بشكل واضح عن جميع مستويات صنع القرار الاستراتيجي” ، وقالت: “نحن بحاجة إلى إعادة تصميم منظومة الأمن بما يضمن قيادة النساء وحضورهن المتكافئ على جميع المستويات، من المنزل إلى الفضاء العام، ومن مؤسسات الأمن الوطني وصولا إلى مجلس الأمن”.
تدريب فرق الاستجابة الأولى
كان جون هوفين من أوائل المستجيبين لهجمات 11 سبتمبر 2001م في مدينة نيويورك، كما كان في لندن أثناء تفجيرات السابع من يوليو 2005م ، وشدد على ضرورة أن “تحرص الدول على تدريب فرق الاستجابة الأولى”، مشيرا إلى أهمية تنظيم تمارين محاكاة ووضع خطط واضحة للاستجابة ، وقال: “الأمر يتطلب تدريبا مستمرا، واستثمارا في التكنولوجيا، وضمان أن يعرف كل فرد من فرق الاستجابة الأولى ما ينبغي عليه فعله في حال وقوع هجوم إرهابي”، مؤكدا أيضا أهمية التعاون والتواصل بين الدول.
الشباب بوصفهم “عوامل للوقاية”
وكان السيد هوفين موجودا أيضا في نيجيريا عندما وقع هجوم إرهابي هناك ، أما شمسية إبراهيم باردي، فقد نشأت في شمال شرق نيجيريا، وهي منطقة عانت سنوات من النزاع والنزوح والتطرف العنيف ، وقالت إنها شهدت انعدام الأمن، لكنها شهدت أيضا “شبابا عاديين اختاروا التعليم بدلا من العنف، والحوار بدلا من الانقسام، وخدمة المجتمع بدلا من اليأس” ، وأضافت أنها شاركت في برنامج إشراك الشباب وتمكينهم الذي ينفذه مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، وتعلمت أن “الشباب عندما يُمنحون الثقة والدعم والفرص الحقيقية، يصبحون عوامل للوقاية والتغيير الإيجابي”.
فرصة ثانية بعد التطرف
وقدمت ريما جونوسوفا، وهي أم لأربعة أطفال من كازاخستان، نموذجا آخر للتغيير الإيجابي، بعدما أمضت عدة سنوات في مخيم الهول شمال شرق سوريا، الذي يضم آلاف الأشخاص المحتجزين بسبب صلاتهم الفعلية أو المزعومة بتنظيم داعش ، وقالت إنها سافرت مع زوجها إلى سوريا في يوليو 2013م، في ظل “موجة غير مسبوقة من الدعاية الإعلامية المتطرفة” ، وأضافت أن كثيرين فعلوا الأمر نفسه، بمن فيهم شباب “كانوا يعتقدون بإخلاص أنهم يفعلون الصواب، لكنهم لم يدركوا أنهم يتعرضون للتلاعب عبر سرديات صيغت بعناية لإخفاء الطبيعة الحقيقية للجماعات المتطرفة المسلحة”.
وأُعيدت السيدة جونوسوفا وأطفالها إلى كازاخستان في مايو 2019م، حيث حصلت على دعم اجتماعي ونفسي وخدمات أخرى، وهي تدير اليوم ورشة صغيرة لصناعة الأبواب. وخلال حديثها، توقفت أكثر من مرة لتجفف دموعها ، وقالت عبر مترجم: “أنا لست هنا لتبرير أفعالي السابقة، بل لأذكرنا جميعا بأن حتى الشخص الذي سلك طريقا خطيرا قادر على التغيير” ، وأضافت: “الحكومات والمجتمعات والمنظمات الدولية التي تمنح الناس فرصة ثانية من خلال الإنقاذ، والتعليم، والرعاية الصحية، وإعادة الإدماج السلمي، تجعل العالم أكثر أمنا للجميع”.
إلي ذلك شارك الأمين العام للتحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب اللواء الطيار الركن محمد بن سعيد المغيدي في مداولات المؤتمر الرفيع المستوى الرابع للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب الذي انطلقت أعماله في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك، تحت شعار: “مستقبل خالٍ من الإرهاب : تعزيز التعاون الدولي الشامل لمكافحة الإرهاب بقيادة الدول الأعضاء وبمشاركة مختلف الجهات المعنية”، وذلك بمشاركة واسعة من كبار المسؤولين وصناع القرار وممثلي الدول والمنظمات الدولية والإقليمية والخبراء المتخصصين في مجال مكافحة الإرهاب.
وتأتي مشاركة التحالف في هذا المؤتمر الدولي البارز امتدادًا لدوره في تعزيز التعاون الدولي وتوحيد الجهود الرامية إلى مواجهة الإرهاب والتطرف بأشكاله كافة، وترسيخ الشراكات الإستراتيجية مع المنظمات الدولية والدول الأعضاء، بما يُسهم في تطوير السياسات والممارسات الفاعلة لمواجهة التهديدات الإرهابية، وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
وشهدت الجلسة الافتتاحية كلمات تقدمها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلى جانب عددٍ من الوزراء وكبار المسؤولين الدوليين، حيث ناقشت سبل تعزيز الالتزام الدولي المشترك، وأهمية تبني نهج شامل ومتعدد الأطراف لمواجهة الإرهاب، بما يعزز دور الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني والقطاع الخاص في التصدي للتحديات الأمنية المتنامية.
وأكد اللواء المغيدي أن مشاركة التحالف في هذا المحفل الأممي تعكس مكانته بوصفه شريكًا دوليًا فاعلًا في الجهود العالمية لمحاربة الإرهاب، مشيرًا إلى أن التحديات المتغيرة التي تشهدها الساحة الدولية تستوجب تعزيز التنسيق وتكامل الأدوار بين الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، وتطوير آليات العمل المشترك لمواجهة الإرهاب ومنع انتشاره ومعالجة أسبابه.
وأضاف أن التحالف الإسلامي، بدعم وتوجيه من صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز وزير الدفاع رئيس مجلس وزراء دفاع دول التحالف الإسلامي، يواصل تنفيذ برامجه ومبادراته النوعية الرامية إلى بناء القدرات الوطنية، وتبادل الخبرات، وتعزيز الوعي الفكري والإعلامي، ودعم جهود محاربة تمويل الإرهاب، بما يسهم في تحقيق الأمن والسلم الدوليين.
ويُعد المؤتمر الرفيع المستوى الرابع للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب أحد أبرز المحافل الدولية المتخصصة في هذا المجال، إذ يناقش على مدى يومين عددًا من القضايا الإستراتيجية، من بينها الإرهاب في مناطق النزاعات، وتعزيز التنسيق الدولي، وتقييم المشهد العالمي للتهديدات الإرهابية، ومواجهة إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة من قبل الجماعات الإرهابية، وصولًا إلى تطوير الإستراتيجية العالمية للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب.
ويؤكد حضور التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب في هذا المؤتمر الدولي الرفيع استمرار حضوره الفاعل في المنصات الدولية، وترسيخ دوره بوصفه شريكًا موثوقًا في دعم الجهود الأممية، وتعزيز التنسيق الدولي، وبناء شراكات نوعية تسهم في توحيد الجهود العالمية لمواجهة الإرهاب والتطرف، بما يحقق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للمجتمعات كافة.



