السودان ومجلس الأمن.. دارفور بين مقتضيات الحماية وتمدد التوظيف السياسي عبر فريق الخبراء!

السفير.د.معاوية البخاري
لم تكن جلسة مجلس الأمن بشأن نظام العقوبات على السودان في 11 سبتمبر 2026 مجرد جلسة إجرائية لتجديد نظام قائم منذ أكثر من عقدين، وإنما كشفت عن صراع أعمق حول طبيعة الأزمة السودانية، وحدود أدوات مجلس الأمن، ومن يملك حق إعادة تعريف العلاقة بين الدولة السودانية والمليشيا المسلحة والفاعلين الخارجيين من رعاة وممولين.
فالقرار الذي اتخذه المجلس بالإجماع لم يحسم الخلاف، وإنما مدّد نظام العقوبات لمدة شهر واحد فقط، حتى 9 أكتوبر، فاتحاً الباب أمام جولة جديدة من المفاوضات حول مستقبل النظام ونطاقه وفريق الخبراء. وبذلك لم تكن نتيجة الجلسة تسوية بقدر ما كانت تأجيلاً لمعركة سياسية وقانونية أكثر تعقيداً، وتباينا عميقاً دهل المجلس حول السودان.
■ من دارفور إلى كل السودان: ماذا وراء مشروع التوسيع؟
منذ إنشاء نظام العقوبات بموجب القرار 1591 عام 2005، ظل حظر السلاح مرتبطاً بدارفور، ويستهدف الأطراف والجهات العاملة في الإقليم، ويريد لحكومة السودان أن تطلب استثناءات تتعلق بإدخال المعدات العسكرية إلى دارفور وفق ما وضعوه من قيود.
لكن المقترح الأمريكي الأخير ذهب أبعد من ذلك بكثير؛ إذ سعى إلى توسيع حظر السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية، وإدخال الطائرات المسيّرة وأنظمتها ومكوناتها وتقنياتها ذات الاستخدام المزدوج ضمن نطاق الحظر، إلى جانب زيادة عدد أعضاء فريق الخبراء وتعزيز تعاونه مع فرق العقوبات الأخرى خاصة فريق حقوق الإنسان. ولا يمكن التعامل مع ذلك باعتباره مجرد تحديث تقني.
فنقل العقوبات من نطاق جغرافي محدد هو دارفور إلى كامل السودان يعني عملياً تحويل نظام أنشئ لمعالجة نزاع إقليمي محدد إلى أداة تتعامل مع الواقع السوداني كله خارج تفويضه وكأن الحرب المفروضة على البلاد كانت ضمن اهدافهم.وهنا يبرز السؤال السياسي والقانوني:
هل نحن أمام تطوير مشروع لآلية العقوبات لتتلاءم مع تطورات الحرب، أم أمام إعادة هندسة تدريجية لأدوات الضغط الدولي على الدولة السودانية؟
■ الموقف الغربي: الضغط المتوازي والمساواة الإشكالية
الموقف الأمريكي–البريطاني–الفرنسي ينطلق من أن الحرب انتشرت إلى أنحاء السودان، وأن استمرار تدفق الأسلحة والطائرات المسيّرة والدعم الخارجي يستوجب توسيع أدوات الضغط.
وفي تفسير تصويتها، أكدت بريطانيا أنها تؤيد «تقوية» نظام العقوبات، وأن النظام يجب أن يعكس انتشار القتال في أنحاء السودان، وأن يضغط على «الأطراف» لوقف العنف، بما في ذلك تقييد تدفق الأسلحة والدعم الذي يغذي الحرب. كما أعلنت أن الأسابيع المقبلة يجب أن تستخدم للوصول إلى نظام عقوبات أكثر فعالية.
غير أن هذه اللغة تثير إشكالية أساسية لا يجوز تجاوزها:المساواة في الضغط لا تعني بالضرورة المساواة في الصفة أو المسؤولية أو الوضع القانوني.
فثمة فارق جوهري بين الدولة ومؤسساتها السيادية وبين مليشيا متمردة تحمل السلاح ضد الدولة وتسعى إلى تغيير السلطة بالقوة، كما أن هناك فارقاً ثالثاً بين هؤلاء وبين شبكات إقليمية ودولية توفر التمويل والسلاح والمقاتلين والدعم اللوجستي لاستمرار الحرب.
ومع ذلك، فإن خطاب «الأطراف المتحاربة» و«جميع الأطراف» يمكن أن ينتهي، إذا لم يُضبط قانونياً وسياسياً، إلى وضع الدولة والمليشيا في سلة واحدة.وهذه ليست مسألة لغوية.إنها مسألة إعادة توزيع للمسؤولية السياسية والقانونية عن الحرب في مساواة كاملة!؟.
■ بريطانيا وحاملة القلم: لماذا يكتسب موقفها وزناً خاصاً؟
تكتسب المواقف البريطانية أهمية إضافية لأنها تأتي من الدولة الحاملة للقلم في ملف السودان داخل المجلس، في الوقت الذي دعمت فيه لندن بوضوح الجهود الأمريكية لتحديث وتوسيع نظام العقوبات.
واللافت أن بريطانيا لا تخفي هدفها؛ فقد أعلنت صراحة أنها تريد أن يعكس النظام انتشار القتال في السودان، وأنها ستعمل على تعزيز وتوسيع نظام العقوبات. كما سبق أن أعلنت في يونيو أنها ستواصل الدفع باتجاه تمديد حظر السلاح ليشمل كامل السودان. ومن ثم فإن موقفها في جلسة 11 سبتمبر لا يمكن قراءته باعتباره موقفاً إجرائياً محايداً.إنه جزء من مسار متواصل لإعادة تشكيل نظام العقوبات.
وهنا يمكن طرح السؤال الذي ينبغي أن يكون حاضراً في النقاش السوداني:
إذا كان الهدف هو وقف الحرب وحماية المدنيين، فلماذا لا يكون التركيز بنفس القوة على مصادر تمويل وتسليح المليشيا وشبكات الإمداد العابرة للحدود، بدلاً من توسيع القيود على السودان ككل؟
فالمعالجة التي تضغط على الداخل السوداني، بينما لا تفرض الكلفة نفسها على الرعاة والممولين والموردين الخارجيين، يمكن أن تتحول من وسيلة لمعالجة أسباب الحرب إلى وسيلة لمعاقبة مسرح الحرب أكثر من معالجة مصادرها.
■ الموقف الروسي–الصيني–الباكستاني والأفريقي: ليس تحالفاً لكبح التوسع
في المقابل، برز داخل المجلس تقاطع مهم بين روسيا والصين وباكستان والأعضاء الأفارقة الثلاثة.يصح وصفه بأنه «تحالف روسي–صيني» حول السودان؛ بثقل سياسي سمحت به الوقائع الجارية.بتقاطع المصالح والمواقف حول حدود العقوبات وسيادة الدولة السودانية.
فهذه الدول عارضت توسيع النطاق الجغرافي للعقوبات خارج دارفور، بينما دفعت مجموعة الدول الأفريقية الثلاث وباكستان باتجاه صياغة تشير بصورة أوضح إلى الفاعلين المسلحين من غير الدول، وإلى ألا تستهدف الإجراءات السلطات السودانية. وهنا حدث تحول مهم.
فبدلاً من أن تكون روسيا وحدها مساحة المناورة أمام المشروع الغربي، ظهر توازن أوسع داخل المجلس حال دون تمرير التوسع في هذه المرحلة.وهذا هو المعنى السياسي الأهم لجلسة 11 سبتمبر. أنتجته محاولة إعادة تعريف نظام العقوبات التي لم تستطع الحصول على التوافق اللازم داخل مجلس الأمن.
■ فريق الخبراء: الحلقة الأكثر حساسية
لكن القضية الأكثر أهمية ربما ليست العقوبات نفسها، وإنما مستقبل فريق الخبراء. فالفريق أنشئ لمساعدة لجنة العقوبات المنشأة بموجب القرار 1591، ومهمته الأساسية مرتبطة بمراقبة تنفيذ نظام العقوبات والتحقيق في انتهاكاته وتقديم المعلومات ذات الصلة للجنة.
لكن المقترحات الجديدة لا تقتصر على استمرار الفريق في أداء مهمته الحالية؛ بل تتضمن زيادة عدد الخبراء، وتوسيع التعاون مع فرق عقوبات أخرى، وإدخال ملفات جديدة في نطاق عمله. بين تطوير قدرة الفريق على تنفيذ ولايته الأصلية. وبين:توسيع الولاية نفسها بحيث يصبح الفريق آلية لإنتاج صورة شاملة عن الحرب وشبكاتها وأطرافها ومسؤولياتها تقود للفصل السابع مرة اخرى.وهذا هو الخط الذي ينبغي للسودان أن يتوقف عنده. فالخوف ليس من وجود فريق خبراء أو من الرقابة على تنفيذ العقوبات في حد ذاتها، وإنما من أن تتحول التعديلات الفنية المتراكمة إلى تغيير جوهري في طبيعة المهمة واتساع تفويضها.
من مراقبة العقوبات إلى إعادة تعريف الأزمة
إذا جرى الجمع بين:
• توسيع حظر السلاح جغرافياً؛
• إدخال المسيّرات والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج؛
• توسيع معايير العقوبات؛
• زيادة عدد الخبراء؛
• توسيع تعاونهم مع آليات أخرى؛
• وتوسيع نطاق المعلومات التي يجمعها الفريق؛
فإننا لا نتحدث بعد ذلك عن مجرد تحسين تقني لنظام العقوبات. بل نحن أمام بنية دولية جديدة لإنتاج المعلومات والتقييمات والتوصيات المتعلقة بالحرب السودانية.
وهنا تكمن أهمية التعديلات المقترحة، فمن يمتلك القدرة على تعريف منتهك العقوبات، ومن يحدد شبكة الإمداد، ومن يربط فاعلاً معيناً بجهة خارجية، ومن يقدم المعلومات التي يمكن أن تتحول إلى أساس للإدراج في قوائم العقوبات، يمتلك عملياً جزءاً مهماً من صناعة السردية الدولية حول النزاع(مهمة جديدة لفريق الخبراء) عجز عنها لاكثر. من عقدين من الزمان.
ومن هنا فإن الحفاظ على حدود الولاية الأصلية للفريق ليس دفاعاً عن الإفلات من المساءلة، وإنما دفاع عن سلامة الآلية الأممية نفسها ومنع تسييسها أو توسيعها بصورة تتجاوز التفويض الأصلي، وتدحرج أهدافه.
■ المفارقة الكبرى: أين الرعاة والممولون؟
إذا كان المجتمع الدولي جاداً في وقف الحرب، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: ماذا يفعل أطراف الحرب داخل السودان؟ بل أيضاً:
من يمول؟ من يسلح؟ من يوفر المقاتلين؟ من يوفر الطائرات المسيّرة؟ ومن يفتح الممرات اللوجستية؟
فالحديث عن وقف «تدفق الأسلحة والدعم» يجب أن يقود بصورة منطقية إلى مساءلة سلسلة الإمداد كاملة، لا أن ينتهي إلى الضغط على الدولة السودانية ومؤسساتها باعتبارها الطرف المعتدى عليه!؟.
وقد أقرت بريطانيا نفسها بوجود دعم خارجي للأطراف، وأعلنت في يونيو أنها فرضت عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بدعم الأطراف، بما في ذلك جهات متهمة بتمويل مليشيا الدعم السريع. لكن التحدي الحقيقي هو: هل يتناسب مستوى الضغط الدولي على شبكات الدعم الخارجية مع حجم تأثيرها في استمرار الحرب؟ هنا تحديداً تظهر فجوة عجز مجلس الأمن أن يعالجها.
■ 9 أكتوبر: تأجيل المواجهة وليس إنهاءها
قرار 11 سبتمبر لم يغلق الملف. لقد أعطى المجلس شهراً إضافياً فقط. وبريطانيا نفسها قالت بوضوح إن القرار يمثل تمديداً تقنياً قصيراً حتى 9 أكتوبر، وإن الأسابيع المقبلة يجب أن تستغل للتفاوض حول مستقبل نظام العقوبات.
وفي الوقت نفسه، تنتهي ولاية فريق الخبراء في 12 أكتوبر 2026، ما يجعل الفترة بين 9 و12 أكتوبر شديدة الحساسية بالنسبة لمستقبل النظام والفريق معاً. ومن ثم فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط حول: هل نمدد العقوبات وما هي ماهية التفويض والياتها والي اي مدى ومتي ستكون مهمته في إطار القرار 1591، أم تتحول تدريجياً إلى آلية أوسع لإعادة توصيف جديد للحرب المفروضة على السودان؟
■ السودان أمام اختبار دبلوماسي جديد
في ضوء هذه التطورات، لا ينبغي أن يقتصر الموقف السوداني على رفض توسيع نطاق العقوبات، بل يتعين أن يطرح رؤية دبلوماسية وقانونية متماسكة تعيد ضبط النقاش داخل مجلس الأمن على أسس أكثر توازناً، تقوم على أربعة مبادئ رئيسية:
أولاً: رفض توسيع حظر السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية، باعتباره تحولاً جوهرياً في نطاق نظام العقوبات القائم، يستوجب تقييماً قانونياً وسياسياً شاملاً، ولا ينبغي أن يُمرَّر باعتباره مجرد تعديل إجرائي أو فني.
ثانياً: التأكيد على ضرورة التمييز بين الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية من جهة، والمليشيات والجماعات المسلحة وشبكات المرتزقة والداعمين الخارجيين من جهة أخرى، بما يحول دون إنتاج مقاربة تساوي بصورة تلقائية بين الدولة ومؤسساتها وبين الفاعلين المسلحين خارج إطارها.
ثالثاً: توجيه الجهد الدولي نحو جذور تدفق السلاح وتمويله، بحيث تستهدف إجراءات مجلس الأمن مصادر التمويل وشبكات الإمداد والرعاية الخارجية والوسطاء والجهات المتورطة في نقل السلاح إلى الجماعات المسلحة، بدلاً من توسيع القيود على الدولة السودانية وشعبها ومؤسساتها في ظل حرب تتداخل فيها بصورة واضحة عوامل ودعم خارجي.
رابعاً: التشديد على أن يظل فريق الخبراء ملتزماً بحدود التفويض الذي أُنشئ من أجله، وأن أي تعديل جوهري في ولايته أو اختصاصاته ينبغي أن يتم بصورة صريحة وشفافة ومحددة وقابلة للمراجعة، لا من خلال تراكم تعديلات فنية متتابعة تنتهي عملياً إلى تغيير طبيعة المهمة وأهدافها. وإذا ثبت أن مسار التعديلات قد تجاوز التفويض الأصلي وأفضى إلى إعادة تعريف جوهر المهمة، فإن الأمر لا يعود متعلقاً بمجرد تجديد تقني، وإنما يستوجب مراجعة المهمة برمتها وإعادة تقييم جدوى استمرارها بالشكل القائم
■خاتمة: المعركة الحقيقية ليست على العقوبات وحدها
لقد كشفت جلسة مجلس الأمن في 11 سبتمبر أن السودان أصبح مرة أخرى في قلب توازن دولي متنازع على تعريفه وحدود التعامل معه. فالمعسكر الغربي، وفي مقدمته الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، يدفع باتجاه توسيع أدوات العقوبات لتواكب اتساع الحرب التي فرضت . وفي المقابل، تقف روسيا والصين وباكستان والأعضاء الأفارقة الثلاثة ضد توسيع النظام خارج دارفور، وإن اختلفت دوافع كل طرف ومقارباته.وبين الموقفين، نجح المجلس في هذه المرحلة في منع تحويل التوسع المقترح إلى واقع ملزم، لكنه ابقى المخاطر قائمة.
والأكثر أهمية أن المعركة المقبلة ستتعلق بفريق الخبراء؛ لأن القضية لم تعد فقط قضية حظر سلاح، وإنما قضية من يعرّف أطراف النزاع، ومن يحدد المسؤولية، ومن ينتج المعرفة التي يبنى عليها القرار الدولي. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول سياسة «الضغط على المسيس» إلى مساواة جائرة بين الدولة والمليشيا، بينما لا يتحمل الرعاة والممولون الخارجيون الكلفة ذاتها. فإذا كانت حماية المدنيين هي الغاية، فإن العدالة في العقوبات تقتضي أن تتجه إلى مصادر الحرب، لا إلى الدولة السودانية وسيادتها وحقها في الدفاع عن الوطن وشعبه.وتبقى الوجهة الاستراتيجية
«حين تتسع العقوبات لتشمل الدولة، بينما تضيق المساءلة عن مصادر تمويل المليشيا وتسليحها، تتحول المساواة في الضغط إلى اختلال في العدالة؛ وحين تتسع ولاية فريق الخبراء دون توافق واضح، قد تتحول الرقابة على العقوبات من أداة للمساءلة إلى أداة لإعادة تعريف الأزمة نفسها.»
وهنا، في تقديري، تكمن المعركة الدبلوماسية السودانية الحقيقية بين 11 سبتمبر و9 أكتوبر: ليس الدفاع عن السودان ضد العقوبات فحسب، وإنما الدفاع عن التمييز بين الدولة والمليشيا، وعن شمول المساءلة للرعاة والممولين، وعن بقاء آليات مجلس الأمن داخل حدود تفويضها القانوني وتحديد اجلها ومداها الزمني بصفة نهائية.
—————
١٣ سبتمبر ٢٠٢٦ م


