
■خلونا في الصورة
■صباح أحمد
■حتَّى تضعَ الحربُ أَوزارَها
لا الجيش يريد إيقاف الحرب، ولا الدعم السريع مستعد لإيقافها؛ فالإرادة السياسية والعسكرية للسلام لدى الطرفين المتقاتلين ـ على الأقل في الوقت الراهن ـ لا تبدو حاضرة بالقدر المطلوب. والنتيجة أن هذه المحرقة تمضي بنا إلى أجل غير مسمى، بينما تبدو الإرادة الحاضرة أقرب إلى الحسم والتصعيد، لا إلى الهدنة ووقف إطلاق النار.
إذاً، ما المطلوب منا كمواطنين إزاء ما يحدث؟!
هل المطلوب أن نسلّم بسياسة الأمر الواقع، ونخضع بالقوة، ونستسلم لتبعات هذه الحرب مهما كان الثمن؛ حتى لو كان الثمن حياتنا، وأماننا، ومستقبل أطفالنا؟!
هل المطلوب منا ـ كشعب مغلوب على أمره، بين نازح ولاجئ ومشرد ـ أن ندفع فاتورة استمرار الحرب، وأن نتحول إلى أدوات ضغط أو أدوات قتال، أو نعيش رهائن بلا قدرة على الرفض؟!
هل هذا هو قدرنا المكتوب.. وإلى متى؟
لا أحد يجيب!
والأخطر أن نصل تدريجياً إلى مرحلة “التعايش مع الحرب”؛ أن تظل آلة القتال دائرة، بينما نحاول نحن أن نتدبر حياتنا تحت نيرانها.
أن تعيش إنساناً بلا حول ولا قوة؛ تموت برصاصة طائشة، أو تموت غريباً في معسكر لجوء أو نزوح.. لا فرق!
تموت قهراً وحزناً، أو يفتك بك الاكتئاب، أو يصيبك مرض لا تملك قيمة فحصه أو ثمن علاجه في ظل انهيار القطاع الصحي.. لا يهم!
تموت من الجوع والفقر والعوز، أو تقضي عليك الحاجة وأنت عاجز عن توفير أبسط مقومات الحياة.. لا يهم!
أن يتشرد أطفالك، ويتحولوا إلى فاقدٍ تربوي، وتطاردكم آثار نفسية عميقة بعد سنوات من الخوف والفزع والمعاناة.. لا يهم!
أن تفقد مهنتك وعملك، وتستسلم للبطالة كواحدة من خسائر الحرب.. أيضاً لا يهم!
المهم أن تستمر الحرب.
والأشد عجباً أن تخرج علينا، في الوقت ذاته، دعوات للحوار الوطني ومبادرات للوفاق وجمع الصف، بينما لا يزال صوت البندقية مرتفعاً.
نتحاور كفرقاء سياسيين ومجتمعيين، بينما القصف مستمر، ونعمل بالمنطق المعكوس.
لماذا يسبق الحوار إيقاف الحرب؟
لماذا لا نضع السلاح جانباً أولاً، ونوقف صوت الرصاص، ثم نجلس كسودانيين إلى طاولة واحدة لنتحاور؟
يمكن أن يكون الحوار مباشراً، أو عبر وسطاء ومسهلين وشركاء، لكن البداية يجب أن تكون واضحة: إيقاف الحرب.
أما تشكيل لجان الحوار بينما عجلة القتال لا تزال دائرة، فهو قفز فوق واقع حي، وشرعنة لأوضاع مأساوية، والتفاف على أصل الأزمة.
أليست الأولوية القصوى لأي مبادرة أو لجنة للحوار هي الضغط أولاً لإيقاف هذه الحرب العبثية التي أهلكت الحرث والنسل، وأكلت الأخضر واليابس؟
فمتى أصبح الحوار جريمة، والسلام خيانة؟ ومتى أصبحت الدعوة إلى إيقاف الحرب عمالة، بينما استمرار القتال والذهاب به إلى مزيد من الدم والدمار هو الموقف الوطني؟
يا هؤلاء.. أرحمونا وأرحموا السودان.
حافظوا على ما تبقى من هذا الوطن وشعبه.
الحرب كريهة ومنتنة، ونحن وحدنا الذين نكتوي بنارها ونستنشق غبارها كل يوم.
أنا لست سياسية، ولا أنتمي إلى حزب، ولا أتحرك تحت راية أي كيان.
أنا مواطنة وصحفية اكتويت بنار هذه الحرب، وخسرت فيها كل ما أملك. واستمرارها يعصر قلبي ويحرم أبنائي من أدنى مقومات الأمان والاستقرار، ويُبقي في داخلي أثراً ثقيلاً من الخوف والقلق.
لا أطلب سلطة، ولا منصباً، ولا مكسباً سياسياً.
مطلبي بسيط وواضح :السلام.
أن أعيش بأمان، وأن أرى أبنائي يعيشون في طمأنينة، وأن تحفّنا السكينة بعيداً عن الخوف والرصاص والنزوح والقلق.
فهل هذا كثير على إنسان؟

