مقالات الرأي
أخر الأخبار

حرب الإدارة الأمريكية على إيران .. بين حسابات القوة وصناديق الاقتراع

بقلم / د. الصادق خلف الله

 

لا تُدار حرب الإدارة الأمريكية على إيران بالخرائط العسكرية وحدها، بل أيضاً باستطلاعات الرأي وأسعار الوقود وحسابات البقاء السياسي، ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر ٢٠٢٦، لم يعد السؤال في واشنطن مقتصراً على كيفية الضغط على طهران، وإنما بات يشمل قدرة الحزب الجمهوري على تحمّل الكلفة الانتخابية لهذه المواجهة. فالحرب التي تُخاض خارج الحدود قد تُحسم تداعياتها السياسية داخل صناديق الاقتراع.

إعلان الرئيس دونالد ترامب عدم مهاجمة إيران قبل الانتخابات وضع هذا التداخل في الواجهة، فالربط الصريح بين توقيت العمل العسكري وموعد التصويت يكشف أن حرية الحركة الأمريكية ليست مطلقة، وأن الاعتبارات الداخلية تدخل في تحديد إيقاع المواجهة، لكنه يترك سؤالاً مفتوحاً : هل تمنح واشنطن الدبلوماسية فرصة حقيقية، أم تؤجل قرار التصعيد حتى تتجاوز اختبار الناخبين؟

قبل الانتخابات، تواجه الإدارة معادلة شديدة الحساسية : عليها أن تظهر قوية دون أن تجعل الأمريكيين يدفعون ثمناً يتجاوز قدرتهم على الاحتمال. فالحديث عن الردع والأمن القومي يفقد بعض تأثيره عندما ترتفع كلفة التنقل والغذاء والإنتاج، والناخب الذي لا يتابع تفاصيل الملف النووي الإيراني يستطيع أن يقيس أثر الحرب في ميزانيته اليومية، وأن يحوّل استياءه الاقتصادي إلى عقاب سياسي للحزب الحاكم.

لهذا، قد يصبح احتواء الحرب ضرورة انتخابية، حتى لو استمر خطاب التهديد، تستطيع الإدارة تشديد العقوبات، واستعراض القوة، والإبقاء على قنوات التفاوض، بحثاً عن نتيجة تسوّقها باعتبارها إنجازاً، غير أن هذه الموازنة تظل هشّة؛ فهجوم كبير على القوات الأمريكية أو منشآت الطاقة قد يفرض رداً يبدد حسابات التهدئة ، وعندها تتقدم ضرورات الميدان على ترتيبات الحملة الانتخابية، وتصبح السيطرة على التصعيد أكثر صعوبة.

أما بعد الانتخابات، فإن أول ما ينبغي إدراكه هو أن النتائج ستغيّر ميزان السلطة داخل واشنطن، لا هوية الرئيس، فانتخابات التجديد النصفي لا تنقل البيت الأبيض إلى الديمقراطيين، لكنها تستطيع منح الإدارة غطاءً سياسياً أوسع، أو إحاطتها بكونغرس أكثر تشدداً في الرقابة والمساءلة ، ولذلك، فإن أثرها الحقيقي سيظهر في مساحة القرار، وكلفة استمراره، وقدرة الرئيس على الدفاع عنه.

إذا احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على مجلسي الكونغرس، فقد تعتبر الإدارة ذلك تفويضاً لمواصلة نهجها، وتتعامل بجرأة أكبر مع الخيارات العسكرية والاقتصادية، لكن الفوز لا يفرض الحرب بالضرورة؛ فقد يمنح ترامب فرصة لعقد تسوية يقدمها بوصفها انتصاراً لسياسة الضغط، فالمسألة هنا ليست قوة التفويض وحدها، بل الطريقة التي يختار الرئيس توظيفه بها: لتوسيع المواجهة، أو لإغلاقها بشروط يستطيع إعلان نجاحها.

وفي المقابل، قد يؤدي فوز الديمقراطيين بأحد المجلسين أو كليهما إلى فتح ملفات الأهداف والتمويل والخسائر، وإخضاع الرواية الرسمية لاختبار أكثر صرامة، وستزداد احتمالات المطالبة بقيود على العمليات أو بشروط أوضح لاستمرارها ، غير أن الأغلبية الديمقراطية لن تمتلك مفتاحاً فورياً لإنهاء الحرب، كما أن خلافها مع الرئيس لا يعني بالضرورة اختلافها معه بشأن منع الانتشار النووي أو حماية المصالح الأمريكية.

والأخطر هو افتراض أن النتيجة الانتخابية تقود تلقائياً إلى مسار محدد ، فإذا انتصر ترامب، فقد يتفاوض بثقة، أو يصعّد مستنداً إلى انتصاره؛ وإذا تعثر ترامب، فقد يراجع سياسته، أو يتشدد بحثاً عن استعادة المبادرة ، لذلك تبقى الانتخابات عاملاً مؤثراً ضمن معادلة أوسع، تشمل سلوك إيران، وأمن إسرائيل، ومواقف دول الخليج، وسلامة الملاحة، وحدود القدرة على تحمّل مواجهة ممتدة.

بالنسبة لدول الخليج، لا يكفي انتظار ما تفرزه الصناديق الأمريكية، فأمن المنطقة يجب ألا يبقى رهينة توقيت انتخابي أو حاجة حزبية إلى إعلان انتصار، المطلوب موقف خليجي فاعل يطالب بأهداف واضحة وضمانات أمنية ومسار سياسي قابل للاستمرار ، قد تتغير حسابات واشنطن بعد نوفمبر، لكن الجغرافيا لن تتغير، وستبقى دول المنطقة هي الأشد تعرضاً لتداعيات التصعيد، والأكثر حاجة إلى سلام يتجاوز مواسم الانتخابات.

——

جريدة الأيام البحرينية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى