مقالات الرأي
أخر الأخبار

العملة المزوّرة.. من ولاية الجزيرة إلى دارفور!

■خلونا في الصورة 

■صباح أحمد

بغض النظر عن صحة أو عدم صحة الخبر المتداول بشأن وصول طائرة إماراتية تحمل أوراقاً نقدية سودانية مزوّرة من فئة الـ500 جنيه إلى مناطق سيطرة الدعم السريع في دارفور وكردفان لضخها في الأسواق، فإن ما عشناه وشهدناه بأنفسنا في ولاية الجزيرة إبان سيطرة الدعم السريع عليها يجعلنا نقف طويلاً أمام هذا النبأ، ولا نقابله باستخفاف.

خلال تلك الأيام الحالكة، شهدنا بأم أعيننا تداول كميات كبيرة من الأوراق النقدية المزوّرة، خاصة فئة الألف جنيه القديمة، والتي كانت تصل إلى الأسواق بالشوالات والكراتين، ليجري التعامل بها وكأنها عملة صحيحة! وكانت هذه الأموال تصل أمام أعيننا إلى محلات الاستارلينك، وكانت أوراقاً نقدية جديدة لم يسبق تداولها من قبل.

وكانت محلات الاستارلينك تشهد إقبالاً وتدافعاً كبيرين من المواطنين الراغبين في التواصل مع أهلهم وطمأنتهم على أحوالهم، وسط عزلة الاتصالات وانقطاع الشبكات عن الولاية.

وفي ظل تلك الظروف، كان تداول هذه الأموال يتم بصورة عادية، رغم معرفة الناس بأنها قروش مزوّرة، لأن الولاية كانت وقتها تحت سيطرة الدعم السريع، ولأن المواطنين لم تكن أمامهم بدائل حقيقية للتعاملات المالية وتدبير شؤون حياتهم اليومية.

وقتها، كان المواطن يضطر إلى تحويل أمواله عبر تطبيق «بنكك» إلى حسابات خاصة بأفراد تابعين للدعم السريع يعملون في محلات «الاستارلينك»، ليحصل بالمقابل على كاش نقدي بعد استقطاع عمولة تتراوح بين 10 و15%.

والمفارقة الموجعة أن الناس كانوا يقبلون هذه الأموال ويتداولونها في عمليات البيع والشراء رغم علمهم بأنها مزوّرة، في ظل غياب تام للبنوك والصرافات وانغلاق شبه كامل للاقتصاد المحلي.

ولأننا كنا نعلم خطورة هذا الوضع الشاذ، حرصنا أشد الحرص على ألا نحمل معنا أي مبالغ نقدية عند مغادرة الولاية، تجنباً للتعرض لأي مشكلة خارج الولاية إذا ما تبيّن أنها مزوّرة؛ وكان آخر ما تبقى لدينا من قروش قد دفعناه بالكامل قيمةً لتذاكر السفر، أثناء خروجنا الشاق من مدينة الحصاحيصا متوجهين إلى القضارف، ومنها إلى ولاية نهر النيل.

لقد كانت تجربة قاسية كشفت حجم العبث والفوضى اللذين يمكن أن تُحدثهما الحرب في المعاملات المالية، حين يجد المواطن نفسه محاصراً بخيارين أحلاهما مرّ: التعامل بعملة مزوّرة، أو مواجهة الجوع والعزلة في ظل انعدام البدائل.

واليوم، مع تداول أنباء وصول طائرة تحمل عملة مزوّرة من فئة الـ500 جنيه، تبرز أسئلة مشروعة وملحّة: هل نحن أمام جولة جديدة من محاولات إغراق الأسواق السودانية بالعملة المزيّفة؟ وما مدى دقة هذه الأنباء؟ وهل هناك خيوط خفية تربط بين ما يُحاك اليوم وما جرى من قبل في ولاية الجزيرة ومناطق سيطرة الدعم السريع؟

بالطبع، لا يمكن الركون إلى الخبر المتداول باعتباره حقيقة مطلقة في ظل غياب الأدلة الموثوقة والبيّنات الواضحة. غير أن الخطورة تكمن في أنه، سواء صحت هذه الأنباء أم لم تصح، لا يجوز الاستهانة بآفة تزوير العملة إذا ما اتسع نطاقها؛ فهي تعني ببساطة تهديد ما تبقى من مدخرات المواطنين، وإلحاق خسائر فادحة بالتجار، وانعدام الثقة في العملة الوطنية، وتوجيه ضربة قاسية إلى اقتصاد أنهكته الحرب واستنزفت موارده.

فالحرب ليست بندقية ورصاصة فحسب، بل هي حرب على لقمة عيش المواطن، وعلى أمواله ومدخراته وأبسط مقومات حياته. وهنا يكمن الخطر الأكبر الذي يستدعي الانتباه واليقظة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى