
أحمد الجبراوى المحامى
▪️كانت حجة النبي صلى الله عليه و سلم سنة 10هـ وقد تنادى الصحابة إلى المسير معه متأسّين متعلمين وخطب بهم خطبته الشهيرة التى أرسى فيها أهمّ أسس ودعائم البناء والإصلاح وهو يودّع الأمّة بقوله ” فإنّى لا أدرى لعلّي لا القاكم بعد عامي هذا ” وكلمات الوداع قطعا لها رفعتها ومقامها واعتباراتها الخاصة . وقد كان من بين هذه الأسس والدعائم الإصلاحية ما يلي :
أولا :وحدانية الله أُسُّ الإصلاح:
▪️وذلك بقوله ” أيّها الناس إنّ ربّكم واحد ” فلا إصلاح بلا تجذير لمعانى العقيدة والتوحيد ، وذكر وحدانية الربّ لأنّ مقتضاها ومطلوبها هو توحيد الالهية وأفراد الربّ سبحانه وهى دعوة الرّسل وهدف الخلق وأعظم مأمور وعليها يكون مدار و قبول العمل الصالح وأهمية التوحيد فوق كل اهمية ومراده أعظم مراد.
ثانيا: تحديد مصادر التلقى :
▪️وذلك لقوله صلى الله عليه و سلم :- “قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، أمراً بيناً كتاب الله وسنة نبيه”، فلابد لأي مشروع حضاري، أو إصلاحي أن تنطلق معالمه من تحديد مصادر تلقى أخذ هذه الهدايات وتحديد معالم طريقها. فالكتاب والسنة هما مرجعية الأمة وتزداد اهميتهما في أيامنا هذه، حيث تتصارع الأفكار والمذاهب ، والتى يحاول كل واحد منها الكسب والاستقطاب على حساب غيره حتى صار العالم كله معتركاً لهذا الصراع.
▪️وإذا كان هذا هو المنطلق الأول فإن مرجعية الكتاب والسنة للمجتمع المسلم من مقتضيات الإيمان ومستلزمات الخضوع لرب العالمين التي لا خيار لمسلم فيها قال تعالى : “فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ” النساء 65 ، وقال: “ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون” النور 47 – 50 ). وقد أكده الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله “إن اعتصمتم به فلن تضلوا…” فمتى اعتصمتم هديتم
رابعاً : صياغة وبناء الفرد :
▪️والفرد يمثل اللبنة الأولى في أى دعوة للإصلاح، وتمثَّل الإشارة إلى هذا في فقرتين من خطبة الوداع، وهما قوله – صلى الله عليه و سلم -:”أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى ، وقوله:”فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبداً، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم”، فصياغة الإسلام لمن آمن به تعتمد على تربيته على تقوى الله وحفظ الديانة لإيجاد الرقابة الذاتية بحيث لا يحتاج إلى الوازع الخارجي، ولا الى القوانين المنظمة لضبط سلوكه وتوجيهه. وسيرة الرسول صلى الله عليه و سلم منذ البدايات الأولى لدعوته تبين بجلاء مدى اهتمامه ببناء هذا الفرد النموذج وتربيته على تقوى الله، مما يقطع بأن هذا البناء وتلك التربية هما اللبنة الأولى في أي نهضة أو دعوة إصلاح كيف لا وقد جاء ل:- “يزكيهم ويعلمهم الكتاب و الحكمة” فما احوجنا إلى إقامة هذه التربية والتزكية فى حياتنا.
خامساً: بناء الأسرة الصالحة:
▪️والتى تتألف من تلك اللبنات الصالحة وتنبع أهمية بناء الأسرة المسلمة من كونها اللبنة التالية لبناء الفرد المسلم، بعد تحديد مرجعيته، وصياغة الفرد على التقوى، وذلك قوله – صلى الله عليه وسلم:-“أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقاً، ولهن عليكم حقاً، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله”. إن بناء هذه الأسرة المسلمة يقوم على تحديد الحقوق والواجبات الجسيمة الموكلة إلي أطرافها في بناء صرح الإسلام
▪️وهذا من أشد ما تحتاجه المجتمعات المسلمة الآن، إذ أن المؤامرات لا تزال تستهدفها بطرح النموذج الغربي للعلاقة بين الأفراد تلك العلاقة القائمة على الحرية المطلقة لكل منهما ليتسنى لهم القضاء على الأسرة المسلمة، التي احتفظت بشخصيتها وأخلاقياتها الإسلامية وحضانتها للامة على مدار القرون وظلت عصية على الانكسار والتنبيه لهذه الركيزة مما يقوى الأمة ويعضدها
سادساً: إقامة المجتمع القوي المتماسك:
▪️وبإرساء تلك الدعائم ينشأ المجتمع المسلم القوى فقد شملت الخطبة الإشارة الي علاقة أفراد المجتمع بعضهم ببعض وعلاقة الحاكم بالمحكوم ، فقد قال صلى الله عليه و سلم:- “واعلموا أن كل مسلم أخ للمسلم وأن المسلمين إخوة”. قوله:”إن ربكم واحد: كلكم لآدم وآدم من تراب”. قوله:”فلا ترجعوا بعدي كفاراً”وفي رواية”ضلالاً”يضرب بعضكم رقاب بعض” وقوله:”إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا”.
▪️وليتنبه المسلمون لتأكيد بتوطيد هذه المعانى إذ أن همال أى جانب منها ضار وحذرت الخطبة من إقامة الاثنيات والقوميات والنعرات الطائفية لبديلاً عن ذلك ” فالناس لآدم وآدم من تراب” لأن مؤدى ذلك فى نهاية المطاف الى ما نلمس مقدماته الآن من تفكك وتشرذم فى المجتمعات المسلمة بل تعدى الأمر هذا المنحدر الخطير إلى استخدام المسلمين في ضرب بعضهم بعضا وأما فى مجال العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فقد أقامته الخطبة بالتنبيه لطاعة أولي الأمر بالمعروف بقوله صلى الله عليه و سلم -:”يا أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا، وإن أمِّر عليكم عبد حبشي مجدع ما أقام فيكم كتاب الله” والأمر التالى تقديم القدوة والنموذج من قبل الحاكم لرعيته حتى تكمل طاعتهم له، وقد ضرب الرسول القائد المثل في خطبته بأمرين عظيمين إذ وضع ربا عمه العباس ودم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وذلك قوله:” وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله”
▪️ومتى ما اتسمت القيادة بالقدوة والالتزام تبعتها الرعية وقد قيل لعمر تعليقاً على إحضار جنوده كنوز كسرى وقيصر بين يديه، دون طمع فيها: “عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا”. فالقدوة الصالحة مؤشر مهم للاصلاح .
سابعا:الاصلاح الاقتصادى :
▪️وقد نبهت الخطبة الى ذلك بتحريم الربا المهدد للمجتمع حينها مبتدئا فيه بربا عمه للدلالة على انتظام الأوامر للأمة دون محاباة. والاصلاح الاقتصادى إنما يقوم على معايير المساواة بين الجميع فى سائر الأحوال وان مجتمعات اليوم لا تزال تئن تحت الأنظمة الربوية من صناديق مانحة ومعاملات امتلأت بها السجون مما أضعف للاقتصاد وأقعد بالانتاج وعمق من الأنشطة الطفيلية التى تهدد نسيج وتماسك المجتمع كما نبهت الخطبة الى حرمة المال بقوله نَّ دِماءَكُم، وأمْوالَكم وأعْراضَكُم حرامٌ عَلَيْكُم كَحُرْمة يومِكُم هَذَا، في شهرِكُمْ هَذَا، في بلَدِكُم هَذَا، ألا هَلْ بلَّغْت” متفقٌ عَلَيهِ . وأ قرت الخطبة الملكية وحمايتها وغيرها مما يقوى به الاقتصاد.
ثامنا : ترسيخ المنظومة الاجتماعية
▪️فلا اصلاح إلا باكمال المنظومة الاجتماعية المؤسسة على عدم التمييز بين منسوبيه فلا فضل العربى على عجمى إلا بالتقوىوانما يتميز الناس بكسبهم لا بما وهب لهم ويتبع ذلك صيانة المرأة والمحافظة على قيمتها وكرامتها وغيره مما اشتملت عليه الخطبة فى هذا المجال ورعاية حقوق الميراث والتأكيد عليه والتنبيه على حرمة الدماء وتعلية أمرها، الأمر الذى يتأكد أكثر فى مجتمعات اليوم التى هانت فيها الدماء وكثر القتل كما دلت الخطبة على اهمية الصلح وإقراره حتى فى الدماء وغيرها مما تؤكده المنظومة الاجتماعية التى اشتملت عليه هذه الخطبة العظيمة .
وبعد
▪️فهذه بعض الدعائم المهمة التى ركزت عليها خطبة الوداع للنهضة بالامة واصلاح أحوالها وأن أمتنا فى مسيس احتياج لتنزيل هذه المفاهيم للخروج من ازماتها وما يحيط بها من أخطار.



