مقالات الرأي
أخر الأخبار

الحوار السوداني-السوداني.. مبادرة تبحث عن التوافق وسط تباين الرؤى السياسية!

■كتبت: صباح أحمد

في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى البحث عن مخرج سوداني للحرب والأزمة السياسية، تدخل مبادرة الحوار السوداني-السوداني اختبارها الأول، ليس فقط في قدرتها على جمع الأطراف المتباعدة، وإنما في مدى قدرتها على بناء أرضية مشتركة حول شكل المرحلة المقبلة وشروط الانتقال السياسي.
فبينما تطرح اللجنة التيسيرية للحوار مبادرة وطنية تقوم على التوافق ورفض الوصاية الخارجية، تكشف مواقف قوى سياسية فاعلة عن تباين واضح بشأن طبيعة الحوار وأهدافه وما ينبغي أن تفضي إليه المرحلة الانتقالية، وهو ما يجعل مهمة اللجنة أكثر تعقيداً منذ بدايتها.
وأعلنت اللجنة التيسيرية للحوار السوداني-السوداني، اليوم الأحد، إطلاق مبادرة وطنية شاملة تهدف إلى فتح مسار داخلي للوصول إلى حلول وطنية خالصة للأزمة الراهنة وإنهاء الحرب، مؤكدة خلال مؤتمر صحفي أن المبادرة ترتكز بصورة أساسية على التوافق الوطني التام ورفض أي إملاءات أو وصاية خارجية.
وتأتي المبادرة استجابةً للنداء الذي أطلقه رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بشأن إطلاق حوار سوداني-سوداني، في وقت لا تزال فيه القوى السياسية المعارضة الموجودة في الخارج متحفظة على الطرح، الأمر الذي يضع المبادرة أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على جمع الأطراف السودانية حول مسار واحد.
ولا يمكن القول إن ملف الحوار السوداني-السوداني «وُلد ميتاً»، لكنه في الوقت ذاته يفتقد حتى الآن إلى عدد من عوامل القوة التي يمكن أن تدفع به نحو النجاح، خصوصاً مع ظهور تحفظات من قوى سياسية حليفة للحكومة وداعمة للجيش، ترى أن أي حوار جديد يجب ألا يتحول إلى وسيلة لإدارة الأزمة أو إعادة إنتاج ترتيبات الماضي.
وفي هذا السياق، جاء بيان الكتلة الديمقراطية، الصادر في وقت متأخر من مساء امس السبت، ليعكس بوضوح جانباً من هذه التحفظات، إذ أكدت الكتلة أنها تريد حواراً سودانياً شاملاً، يشارك فيه أصحاب المصلحة الحقيقيون من مختلف أقاليم السودان وقواه السياسية والمجتمعية والشبابية، بعيداً عن الإقصاء والوصاية، ويكون هدفه الأساسي تغيير الوضع الراهن ووضع البلاد على طريق الدولة المدنية الديمقراطية.
لكن بيان الكتلة لم يكتفِ بتأكيد أهمية الحوار، بل حدد رؤيتها لطبيعته والمرحلة السياسية التي ينبغي أن تفضي إليها، مشدداً على أن الحوار الذي تنشده الكتلة ليس حواراً لإدارة الأزمة، ولا صفقة لإعادة توزيع السلطة، ولا بوابة لإعادة إنتاج الماضي، وإنما حوار يؤسس لمرحلة سياسية جديدة.
وفي ما يتعلق بالانتخابات، شددت الكتلة على أن الوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة يتطلب ترتيبات تسبقها، في مقدمتها إنشاء مفوضية مستقلة للانتخابات، وإجراء تعداد سكاني حديث، وإعادة النظر في الدوائر الجغرافية وفق أسس جديدة وعادلة تتناسب مع الواقع السكاني والجغرافي الذي فرضته الحرب والتحولات التي شهدتها البلاد.
وقالت الكتلة بوضوح إنه لا يمكن بناء ديمقراطية جديدة بأدوات الماضي، ولا يمكن إجراء انتخابات جديدة بالدوائر الجغرافية التي صُممت في ظل نظام حكم أسقطه الشعب السوداني، معتبرة أن الواقع الحالي يفرض على القوى السياسية التعامل مع المرحلة بعقل جديد ورؤية تتجاوز الحسابات القديمة.
وباختصار، يمكن تلخيص موقف الكتلة الديمقراطية في معادلة واضحة.. مع الانتقال المدني، ولكن ليس عبر إعادة إنتاج الماضي، ومع خيار الانتخابات، ولكن بعد توفير شروطها وضمان نزاهتها.
ويأتي هذا الموقف في توقيت بالغ الحساسية، إذ صدر قبل انطلاق أولى مناشط اللجنة التيسيرية للحوار، وهو ما يضع المبادرة أمام تحدٍ مبكر، خاصة أن الكتلة الديمقراطية تُعد من القوى السياسية الداعمة للحكومة والجيش.
ورغم التصريحات المطمئنة للجنة التيسيرية بشأن تهيئة المناخ وبناء الثقة، وتركيزها على تيسير المشاورات الأولية مع مختلف القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، داخل البلاد وخارجها، بهدف تقريب وجهات النظر وبلورة رؤية مشتركة لشروط الحوار وضماناته، فإن موقف الكتلة الديمقراطية يكشف عن تباين لا يمكن تجاهله حول طبيعة المسار السياسي وأهدافه.
وربما تكمن أهمية هذا التباين في أن نجاح أي حوار وطني لا يرتبط فقط بقدرته على استدعاء الأطراف إلى طاولة واحدة، وإنما بقدرته على الاتفاق على قواعد الحوار وأجندته، وشكل المرحلة الانتقالية، والضمانات التي تحول دون تحوله إلى مجرد تسوية مؤقتة لإدارة الأزمة.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام اللجنة التيسيرية لا يتمثل في إطلاق الحوار بقدر ما يتمثل في قدرتها على اكتساب قبول سياسي واسع، وإقناع القوى المختلفة بأن الحوار لن يكون منصة لإدارة الأزمة أو إعادة توزيع السلطة، وفي الوقت ذاته ألا يتحول إلى مسار يفرض رؤية سياسية واحدة على بقية الأطراف.
ويبقى السؤال.. هل تستطيع اللجنة التيسيرية تحويل هذا التباين إلى أرضية مشتركة تفتح الطريق أمام حوار سوداني شامل، أم أن اختلاف الرؤى حول شكل المرحلة المقبلة سيضعف المبادرة ويحد من قدرتها على التحرك قبل أن تبدأ فعلياً؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى