
■ خلونا في الصورة
■صباح أحمد
بيان وزارة الخارجية المصرية بشأن مقتل مواطنين مصريين في الخرطوم، يضعنا أمام مقارنة مؤلمة مع موقف حكومتنا من دماء السودانيين.
في حادثة الخرطوم، أطلق مسلح النار على عدد من سائقي الشاحنات المصريين، فقُتل اثنان وأُصيب ثالث. تحركت وزارة الخارجية المصرية سريعاً، وكلّف وزير الخارجية السفير المصري في الخرطوم بالتواصل مع السلطات السودانية، ومتابعة ملابسات الحادث، والاطمئنان على المصاب، والعمل على نقل جثماني المتوفيين إلى مصر في أسرع وقت ممكن. ولم يقف الأمر عند ذلك، بل أجرى السفير اتصالات فورية بالسلطات السودانية، والتقى والي الخرطوم، الذي حضر خصيصاً لتقديم واجب العزاء والاطمئنان على المصاب.
هذا ما تفعله الدولة حين تضع مواطنيها في مقدمة أولوياتها؛ تتحرك، وتتابع، وتتواصل، وتطالب بمعرفة ما حدث.
لكن ماذا عن المواطن السوداني؟!
ماذا فعلت حكومتنا تجاه مقتل عشرات المعدّنين السودانيين في الهجمات الجوية التي استهدفت مواقع التعدين قرب الحدود المصرية؟ وماذا فعلت تجاه الأسر التي فقدت أبناءها، أولئك الذين خرجوا بحثاً عن لقمة العيش، فعادوا إليها جثامين، أو لم يعودوا أبداً؟!
للمرة الثانية، يجد معدّنون سودانيون أنفسهم أمام مأساة من هذا النوع، وسط اتهامات للطيران المصري بالوقوف وراء الهجمات. ووفقاً للأرقام المتداولة، تجاوز عدد القتلى في الحادثة الأخيرة 85 شخصاً، وأُصيب أكثر من 60 آخرين، وهي حصيلة تستوجب تحقيقاً دقيقاً يكشف ملابسات ما حدث وحقيقة المسؤوليات.
أين كانت سرعة التحرك التي رأيناها في البيان المصري؟ وأين الصوت الرسمي السوداني الذي يفترض أن يرتفع دفاعاً عن مواطنيه؟ وأين الموقف الواضح الذي يطمئن أسر الضحايا بأن دماء أبنائها ليست مجرد أرقام في نشرات الأخبار؟!
صحيح أن مجلس السيادة أعلن، اليوم الاثنين، تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في الحادثة، لكن تشكيل لجنة، في حد ذاته، لا يغلق الملف. فالمطلوب تحقيق جاد وشفاف، وإعلان نتائجه للرأي العام، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، بعيداً عن المجاملات أو محاولات تجاوز القضية بالصمت.
وبالطبع فان المشكلة ليست في أن تهتم مصر بمواطنيها؛ فهذا حقها وواجبها. المشكلة أن يشعر السوداني بأن دمه لا يحظى بالاهتمام نفسه من حكومته، وأن صوته لا يُسمع إلا بعد أن يرتفع الغضب الشعبي وتتزايد المطالبات بالتحرك.
حين يُقتل مواطنان مصريان، تتحرك الخارجية، ويتواصل السفير، ويحضر الوالي للعزاء، وتُتابَع حالة المصاب. وحين يُقتل عشرات السودانيين في هجمات جوية، يظل الناس ينتظرون موقفاً حكومياً واضحاً، وتحقيقاً معلناً، ومحاسبة لا تستثني أحداً.
وهنا تحضرني أبيات الشعر:
قتلُ امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تُغتفرُ
وقتلُ شعبٍ كاملٍ مسألةٌ فيها نظرُ!
وكأن هذا البيت يلخّص مرارة المشهد؛ فحين تتحرك الدول لحماية مواطنيها، يبقى المواطن السوداني يتساءل عن قيمة حياته لدى حكومته، وعن حقه في الحماية والإنصاف ومعرفة الحقيقة.
فهل أصبح الدم السوداني رخيصاً إلى هذا الحد؟
إن حماية المواطن ليست منّة من الحكومة، ولا امتيازاً تمنحه لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء. إنها مسؤوليتها الأولى، أياً كان المواطن، وأياً كانت المنطقة التي ينتمي إليها، وأياً كانت الجهة التي يُشتبه في تورطها في قتله.
واجب علي الحكومة أن تشعر بوجع الناس قبل أن يطالبوها بالتحرك، وتدافع عن مواطنيها بقوة، وتضع كرامتهم وسلامتهم في مقدمة أولوياتها، لا أن تتركهم يواجهون الموت وحدهم، ثم تكتفي ببيان أو إعلان لجنة تحقيق.
فالمعدّنون الذين سقطوا ليسوا أرقاماً في تقرير، بل أبناء وأشقاء وآباء، لهم أسر تنتظر عودتهم، وأحلام خرجوا من بيوتهم سعياً لتحقيقها، ولم يكن ذنبهم سوى أنهم بحثوا عن لقمة عيش في وطن أنهكته الحرب وضاقت فيه سبل الحياة.
رحم الله الضحايا، وربط على قلوب أسرهم، وكشف الحقيقة كاملة، وأنصف كل من فقد عزيزاً في هذه المأساة.
ويبقى السؤال.. إذا كانت الدولة المصرية تعتبر حماية مواطنيها واجباً لا يقبل التأجيل،فلماذا لا يشعر المواطن السوداني بأن حكومته تحرص على حياته بالقدر نفسه من المسؤولية والاهتمام


