الشيخ الأمين عمر الأمين في بيان توضيحي حول ما ورد علي لسانه بأن في القرآن الكريم (طلاسم)

بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
◾️لقد إنتشر لي في الآونة الأخيرة مقطع فيديو ذكرتُ فيه أن “القرآن فيه طلاسم”، وقد ذهب البعض في فهم هذه الكلمة مذاهب مختلفة، لذا وجب التوضيح بأن مقصدي من لفظ “الطلسم” هو المعنى اللغوي الذي يشير إلى الغموض والإبهام وليس المعنى العرفي الشائع المرتبط بما يكتبه الدجالون والسحرة.
◾️فلفظ الطلسم في أصله اللغوي يعني اللغز أو الكلام المبهم الذي لا يُدرك معناه للسامع، أي غامض ومبهم، وفك طلاسم الشيء هو إيضاحه وتفسيره وشرحه.
◾️وقد أوضحت قولي في ذات المقطع بتوضيح ينفي أي معني آخر بلا شك أو ريبة، مثل “الم”، و”كهيعص”، و”حم”، و”ن”، يعني شنو؟! فهذه الحروف مبهمة المعنى لعامة الناس وهذا ليس نقصاً في الكتاب بل هو إعجاز وحكمة إلهية و بلاغية، وقد أقر القرآن نفسه بوجود “المتشابه” الذي يعجز الخلق عن إدراك تأويله إلا بفتح من الله.
◾️وأقر النبي صلى الله عليه وسلم ألفاظاً فيها إبهام في الرقية كما في الحديث: “باسم الله، شَجَّةٌ قَرَنيَّةٌ مِلْحَةُ بَحْرٍ قَفْطَا”، وقال “لا أرى بها بأساً” كما رواه الهيثمي، مما يدل على أن وجود اللفظ المبهم لا يقتضي الذم ولا يعني السحر.
◾️والقاعدة الفقهية تقول إن المفسر مقدم على المحتمل، والتصريح بالمراد يرفع الإيهام، وقد صرحت بمرادي في حديثي حتى لا يظن ظان سوء أنني أعني بطلاسم القرآن ما يفعله المشعوذون، فالقرآن منزه عن ذلك كامل الإعجاز والبلاغة.
◾️ وقد سبق وأن قلت أنه إنتشر حديث في الأوساط العلمية والدعوية حول استخدام لفظ “طلسم” لوصف بعض مقاطع القرآن الكريم، فظهرت بعض الإلتباسات بين معنى الكلمة ومقصد القائل، والحق يقتضي توضيح الفرق بين المعنى اللغوي للفظ “طلسم” والمعنى الاصطلاحي عند السحرة، وبين مقاصد القرآن الكريم من استخدام ألفاظ مبهمة لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى.
◾️أولاً: معنى لفظ “طلسم”.
المعنى اللغوي: الطلسم لغة ما هو مستتر، غامض، مبهم، أو عجيب. ويقال: “فكّ طلسَم الشيء”، أي كشف سره وأوضحه.
المعنى الاصطلاحي عند السحرة: هو ما يكتبه الدجالون أو يستخدمونه في أعمال السحر، وهذا معنى حادث لا علاقة له بالقرآن.
◾️ثانياً: إطلاق لفظ “طلسم” على القرآن.
إذا قيل: “القرآن فيه طلاسم”، فهذا يعني أن القرآن يحتوي على معاني خفية ومتشابهة، لا يطلع على حقيقتها إلا الله تعالى، كما في الحروف المقطعة: “الم” و”المر” و”كهيعص” و”حم” و”طه” و”يس”، وهذه الحروف وغيرها من الآيات المتشابهة مستورة الحكمة عند الله، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم استخدام ألفاظ مبهمة في الرقية، “كـ بسم الله، شَجَّةٌ قَرَنيَّةٌ مِلْحَةُ بَحْرٍ قَفْطَا”، فلما عرضت هذه الرقيه عليه صل الله عليه وسلم قال: “لا أرى بها بأساً” دلالة على أن الإبهام لا يخل بالحق ولا يعتبَر نقصاً.
◾️ثالثاً: توضيح المقصد ورفع الإبهام.
ليس المراد من وصف القرآن بأنه فيه طلاسم أي سحر أو أعمال دجالية، بل المقصود أن فيه معاني غامضة ومستورة علمها عند الله تعالى وحده .. ومن هنا، يعد استخدام اللفظ صحيحاً إذا قصد به المعنى اللغوي “المستتر الغامض”، ويستحب الحرص على التوضيح لتفادي سوء الفهم بين الناس.
◾️رابعاً: الخلاصة.
لفظ “طلسم” في القرآن يُفهم بمعنى المعاني المستترة والخفية، وهو من خصائص المتشابه في الكتاب، المعنى الصحيح لا يقتضي الذم، بل يدل على عظمة القرآن وحكمته، المقصود ليس المعنى الاصطلاحي عند السحرة، بل ما أخفاه الله من أسرار للعلماء والسامعين.
الواجب على الدعاة والمفسرين أن يوضحوا مرادهم عند استعمال ألفاظ قد تُفهم خطأ، حفاظاً على جناب القرآن الكريم وصيانة لحق الناس في فهمه.
نسأل الله أن يرزقنا الأدب مع كتابه، وأن يعصمنا من الزلل في القول والعمل، وأن يجعلنا من الذين يفهمون كتابه حق الفهم، ويعملون بمحكمه، ويؤمنون بالمتشابه.



