قوى الحرية والتغيير في السودان (2019–2026) .. من تحالف الثورة إلى تشظّي المشروع السياسي (١ – ٢) !؟

السفير د. معاوية البخاري
النشأة، والسلطة، والخلافات، وإعادة تشكّل التحالفات المدنية
تمهيد
منذ نهاية حكم الإنقاذ في 11 أبريل 2019م، احتلت قوى الحرية والتغيير، التي سنشير إليها اختصارًا بـ«قحت»، موقعًا محوريًا في السياسة السودانية، فقد انتقلت من مظلة لتوحيد المعارضة وقيادة الحراك الاحتجاجي إلى حاضنة سياسية للحكومة الانتقالية، ثم واجهت انقسامات متلاحقة أضعفت تماسكها، وأعادت توزيع مكوناتها بين تحالفات متباينة في الرؤية والموقف من السلطة والحرب ومستقبل الدولة والبلاد.
وقد تزامنت هذه التحولات مع تعثر الانتقال المدني، أو ما سمي بانقلاب 25 أكتوبر 2021م، أو تصحيح المسار، وتوقيع الاتفاق السياسي الإطاري في ديسمبر 2022، ثم اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023م، ومع اتساع الحرب وتعدد المبادرات السياسية، لم يعد اسم «قحت» يحيل إلى كيان متماسك أو مركز موحد لاتخاذ القرار، بقدر ما أصبح يشير إلى تجربة سياسية تأسيسية انشطارية تفرعت عنها مسارات متعددة.
إن توثيق هذه التجربة لا يقتضي الاكتفاء بسرد صعود التحالف وانقسامه، بل يستدعي فهم الظروف التي نشأ فيها، وطبيعة المشروع الذي جمع مكوناته، وكيفية انتقاله إلى السلطة، والتحديات التي واجهته، والعوامل التي أسهمت في تفككه ، كما يتطلب التمييز بين الوقائع التاريخية والتفسيرات السياسية المتنافسة، وبين مسؤولية التحالف عن خياراته والعوامل العسكرية والاقتصادية والأوضاع الداخلية للبلاد وقتها، والتغيرات الإقليمية والدولية التي قيدت حركته،.
أولًا: النشأة — من تراكم المعارضة إلى تحالف الثورة
لم تنشأ «قحت» من فراغ، وإنما جاءت امتدادًا لتجارب سابقة في تنسيق العمل المعارض، من أبرزها «قوى الإجماع الوطني» و«نداء السودان»، إلى جانب التجمع الاتحادي المعارض وتجمع المهنيين السودانيين، فضلًا عن تنظيمات مدنية ومهنية وقوى أخرى شاركت في معارضة نظام الإنقاذ، و بداخلها بعض مكونات الإنقاذ نفسها.
وفي الأول من يناير 2019م، صدر إعلان الحرية والتغيير، الذي جمع قوى سياسية ومدنية ومهنية حول المطالبة بإنهاء حكم عمر البشير وتأسيس سلطة انتقالية تقود البلاد نحو الحكم المدني الديمقراطي. وقد تزامن ذلك مع اتساع الاحتجاجات التي اندلعت في ديسمبر 2018م، على خلفية الأزمة الاقتصادية وتفاقم الأوضاع المعيشية، والضغوط الدولية، قبل أن تتحول إلى حراك سياسي يطالب بتغيير النظام.
لم يكن التحالف، في تكوينه الأول، حزبًا سياسيًا موحدًا، بل مظلة ضمت أطرافًا مختلفة في المرجعيات والأولويات وأساليب العمل ، فقد التقت أحزاب ذات تاريخ طويل في المعارضة مع تنظيمات مهنية ومدنية وحركات سياسية مرتبطة بالنزاعات المسلحة، في وقت كان فيه تجمع المهنيين ولجان المقاومة والشباب والنساء وقطاعات واسعة من المواطنين يسهمون في الحراك الميداني.
ومن هنا، فإن قوة «قحت» لم تنبع من حجمها التنظيمي وحده، وإنما من قدرتها على توفير عنوان سياسي مشترك لحركة احتجاجية أوسع من عضوية أحزابها ومكوناتها، وقد منحها ذلك حضورًا تفاوضيًا مهمًا بعد سقوط النظام، لكنه أوجد أيضًا تفاوتًا بين حجم الدور السياسي الذي اضطلعت به وبين مدى تمثيلها الفعلي لجميع القوى التي شاركت في (الثورة).
وهذه نقطة تأسيسية لفهم ما تلاها : فقد كان التحالف قادرًا على جمع أطراف متعددة حول هدف إسقاط النظام، لكنه لم يكن قد حسم بالقدر نفسه كيفية توزيع السلطة أو إدارة الدولة أو تنظيم العلاقة بين القيادة السياسية والقواعد الشعبية، وتحقيق تطلعات الشعب .
ثانيًا: المشروع السياسي — وحدة إسقاط النظام وحدود التوافق
كان إنهاء حكم الإنقاذ الهدف المباشر الذي وحّد مكونات «قحت»، بينما تمثل الهدف الأبعد في تأسيس انتقال سياسي يقود إلى دولة تقوم على المواطنة وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة.
وقد عكس إعلان الحرية والتغيير تطلعات إلى الحكم المدني، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتحقيق السلام، واستعادة الحقوق والحريات ، غير أن الاتفاق على المبادئ العامة لم يكن يعني بالضرورة وجود رؤية مشتركة ومفصلة حول جميع القضايا التي ستواجه البلاد بعد سقوط النظام وأولويات المرحلة.
فقد اختلفت مكونات التحالف في خلفياتها الفكرية والاجتماعية، وفي تقديراتها لموازين القوى، وفي تصوراتها للعلاقة بالمؤسسة العسكرية، وفي الأولويات الاقتصادية والاجتماعية. كما تفاوتت مواقفها من التسوية السياسية، ومن قضايا السلام وترتيبات تقاسم السلطة، ومن موقع الحركات المسلحة داخل مؤسسات الانتقال.
وكان الانتقال من المعارضة إلى الحكم يقتضي برنامجًا أكثر تحديدًا، يربط المبادئ بالأهداف التنفيذية، ويحدد أولويات الإصلاح، ويوزع المسؤوليات، ويضع آليات للمتابعة والمحاسبة وتسوية الخلافات، إلا أن هذا الجانب لم يبلغ مستوى النضج والتوافق الذي تحقق حول إسقاط النظام.
ولا يعني ذلك أن التحالف كان مطالبًا بتقديم برنامج تفصيلي لكل سياسات الدولة قبل الثورة، وإنما أن وصوله إلى موقع الحاضنة السياسية للحكومة جعله مطالبًا بتحويل الشعارات المشتركة إلى خيارات عملية قابلة للتنفيذ والتقييم.
وهكذا، ظهر مبكرًا الفرق بين وحدة الموقف المعارض ووحدة المشروع السياسي؛ وهو فرق سيصبح أكثر وضوحًا عندما انتقل التحالف من التعبئة الشعبية إلى المشاركة في إدارة الدولة.
ثالثًا: الشعارات والاستحقاقات الشعبية
عبّر شعار «تسقط بس» عن إرادة شعبية حاسمة في إنهاء الحكم القائم، ونجح في توحيد الاحتجاج حول هدف مباشر وواضح. لكنه لم يكن، بطبيعته، برنامجًا لإدارة الدولة بعد سقوط النظام.
أما شعار «حرية، سلام، وعدالة»، فقد جمع بين المطالب السياسية والحقوقية وتطلعات إنهاء النزاعات، وأصبح أحد أبرز التعبيرات عن روح الثورة غير أن المرحلة الانتقالية كشفت الحاجة إلى ترجمة هذه المبادئ إلى سياسات اقتصادية واجتماعية ومؤسسية أكثر تحديدًا.
فقد كانت الأوضاع المعيشية من دوافع الاحتجاج الأساسية، وكان المواطن ينتظر، إلى جانب الحريات السياسية، تحسنًا في توافر الغذاء والدواء والكهرباء والنقل وفرص العمل، وإصلاحًا للخدمات العامة، وتخفيفًا لأعباء المعيشة.
ولا يُنتظر من شعارات الاحتجاج أن تقدم برنامجًا حكوميًا مفصلًا، لكن قيمة الشعار بعد الوصول إلى السلطة تصبح مرتبطة بقدرة أصحابه على تحويله إلى نتائج ملموسة. وهنا برزت فجوة بين سقف التوقعات الشعبية وبين قدرة الحكومة الانتقالية على الاستجابة السريعة للأزمات المتراكمة والاستحقاقات الملحة.
كما أن السلام، الذي احتل موقعًا أصيلًا في شعارات الثورة، لم يكن مجرد اتفاق بين الحكومة والحركات المسلحة، بل كان يستلزم معالجة جذور النزاعات، وتحسين فرص التنمية في المناطق المتأثرة بالحرب، وبناء مؤسسات قادرة على حماية المدنيين ومنع تجدد العنف.
ومن ثم، لم تكن المشكلة في الشعارات ذاتها على سيولتها، بل في صعوبة الانتقال من التعبئة الرمزية إلى التنفيذ المؤسسي، وفي عدم وضوح المسؤولية السياسية عن النتائج أمام الجمهور.
رابعًا: البنية التنظيمية وأزمة التمثيل والقرار
سعت «قحت» إلى بناء هياكل تنظم علاقتها بمكوناتها وتحدد آليات القيادة والتنسيق. وفي نوفمبر 2019م، أُعلنت ترتيبات تنظيمية تضمنت مجلسًا استشاريًا عامًا للقوى الموقعة على الإعلان، ومجلسًا مركزيًا للقيادة السياسية، وتنسيقية مركزية لمتابعة تنفيذ القرارات. ثم طُرحت في يوليو 2021م ترتيبات لإعادة الهيكلة وتوسيع التمثيل داخل مؤسسات التحالف.
وعكست هذه المحاولات إدراكًا للحاجة إلى تطوير الحاضنة والبنية التنظيمية، لكنها لم تحسم بصورة نهائية إشكالات التمثيل والصلاحيات والعلاقة بين القيادة السياسية والحكومة والقواعد الاجتماعية التي شاركت في الثورة.
فقد ظلت «قحت» تحالفًا يضم أطرافًا تحتفظ باستقلالها التنظيمي ومصالحها وتوجهاتها ذات الطابع المصادم للمزاج العام الجمعي ، ولم تكن حزبًا واحدًا ببرنامج ملزم وانضباط داخلي موحد، ولذلك اعتمد تماسكها على التوافق بين القيادات، وعلى قدرة الهياكل على تسوية الخلافات، أكثر مما اعتمد على قواعد مؤسسية مستقرة، والأخذ بالمطالب الحقيقية للشعب .
كما برزت مسألة التمثيل الشعبي، فقد كانت لجان المقاومة، وتجمع المهنيين، والتنظيمات الشبابية والنسوية، وقطاعات من المجتمع المدني، أطرافًا مؤثرة في الحراك، لكن العلاقة بينها وبين القيادة السياسية للتحالف لم تستقر على صيغة تضمن المشاركة المستمرة في صناعة القرار.
وهنا ظهرت معضلة مزدوجة: فمن جهة، احتاج التحالف إلى قيادة قادرة على التفاوض واتخاذ القرارات في ظروف سياسية وأمنية معقدة؛ ومن جهة أخرى، احتاج إلى توسيع المشاركة حتى لا يتحول التمثيل السياسي إلى تفاهمات محصورة بين القيادات.
ولم يكن تعدد المجالس والهياكل كافيًا وحده لمعالجة هذه المعضلة. ففاعلية التنظيم تقاس بوضوح الصلاحيات، وشفافية القرارات، وقدرة الأعضاء على المساءلة، ووجود قواعد متفق عليها لحسم النزاعات، لا بعدد المكاتب واللجان.
خامسًا: من قيادة الحراك إلى مسؤولية الحكم
مثّل سقوط نظام البشير في 11 أبريل 2019م نقطة التحول الكبرى في تجربة «قحت». فقد أصبحت أمام اختبار الانتقال من معارضة النظام إلى المشاركة في تأسيس نظام سياسي جديد، في ظل استمرار نفوذ المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية وتعدد مراكز القوة، وتعارض الأجندات .
وبعد أشهر من التفاوض والاحتجاجات، وقّع المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير الإعلانين السياسي والدستوري في أغسطس 2019م، (الوثيقة الدستورية) بما أرسى إطارًا دستوريًا للفترة الانتقالية وحدد هياكل الحكم واختصاصاتها.
وأصبحت «قحت» الحاضنة السياسية للجانب المدني في ترتيبات الانتقال، وشاركت في اختيار ممثلي المدنيين في مؤسسات الحكم وتشكيل الحكومة الانتقالية ، غير أن الشراكة مع المكون العسكري قامت في بيئة لم تُحسم فيها بصورة نهائية طبيعة العلاقة بين السلطة المدنية ومراكز القوة العسكرية والأمنية والاقتصادية.
وقد واجهت الحكومة تركة ثقيلة من الأزمات الاقتصادية والمؤسسية، واختلالات الخدمة العامة، والديون الخارجية، والنزاعات المسلحة، وتراجع الثقة في مؤسسات الدولة، كما واجهت صعوبات في استكمال مؤسسات الانتقال، وفي مقدمتها المجلس التشريعي، وهو ما أضعف الرقابة والمساءلة وترك بعض القرارات الكبرى في نطاق ضيق، اضافة الي غياب المشروع والبرنامج بصورة واضحة.
ولا يصح تحميل «قحت» وحدها مسؤولية جميع إخفاقات المرحلة، إذ كانت قدرتها على الحكم مقيدة بتوازنات السلطة وبالعوامل الاقتصادية والأمنية. لكن ذلك لا يعفيها من مسؤولية مراجعة أدائها في التنسيق السياسي، وتوسيع قاعدة المشاركة، وتحديد الأولويات، وإدارة العلاقة بين الحاضنة السياسية والجيش والحكومة التنفيذية ورسم الأولويات.
الإصلاح الاقتصادي ومكاسب الانتقال
شهدت الفترة الانتقالية انفتاحًا خارجيًا وتقدمًا في مسار استعادة التعاون مع المؤسسات المالية الدولية. وفي يونيو 2021م، بلغ السودان نقطة القرار في مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، وهي خطوة مهمة في مسار تخفيف أعباء الدين الخارجي، لكنها لم تعنِ إلغاء الديون بصورة نهائية.
وقد تحقق هذا التقدم نتيجة تفاعل الإصلاحات التي اتخذتها الحكومة مع دعم مالي ودبلوماسي خارجي غير محدود، وتسوية المتأخرات وفتح مسار تخفيف الديون، ولذلك يُعد مكسبًا للدولة السودانية والمرحلة الانتقالية، ولا يستقيم نسبته إلى «قحت» وحدها أو إلى طرف منفرد، إذ سبقته خطوات كبيرة قبل سقوط الإنقاذ.
لكن هذه المكاسب لم تتحول بالسرعة المأمولة إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين. فقد زادت كلفة بعض الإصلاحات الاقتصادية من أعباء المعيشة، في وقت لم تتوافر فيه شبكات حماية اجتماعية بالقدر الكافي لتعويض الفئات الأكثر تأثرًا، كما لم تتمكن الحكومة من إقناع قطاعات واسعة بجدوى الإجراءات أو شرح العلاقة بين كلفتها الآنية والنتائج المتوقعة منها.
وهكذا، اتسعت الفجوة بين التقدم في بعض المؤشرات الخارجية وبين التجربة اليومية للمواطن، وتراجعت الثقة في قدرة المرحلة الانتقالية على تقديم عائد اجتماعي سريع من التغيير السياسي، ادى الي تداعيات جوهرية وأزمات اخطر مما كانت عليه الأوضاع.
تفكيك التمكين وإصلاح الدولة
مثّل تفكيك بنية التمكين واسترداد الأموال العامة أحد الملفات الرئيسية في المرحلة الانتقالية ، وقد أُجيز في نوفمبر 2019م قانون لتفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989م وإزالة التمكين، بهدف معالجة آثار سيطرة النظام السابق على مؤسسات الدولة.
ورأى مؤيدو هذه السياسة أنها ضرورية لاستعادة استقلال الخدمة العامة وقوميتها، ومحاسبة من استغلوا مؤسسات الدولة لمصالح سياسية أو مالية دون اعتداد بالتجارب السابقة ، في المقابل، أثار تطبيقها جدلًا حول معايير الإعفاء والتعيين، وضمانات العدالة، والنزاهة وحق التظلم، ومدى التمييز بين المسؤولية عن التجاوزات والانتماء السياسي وحده، وضعف القانون والآليات التي جرى استغلالها بصورة بشعة وسعت من حجم الهوة بين قحت والقوى الأخرى خارجها.
ويظل المعيار الموضوعي في تقييم هذه السياسة هو مدى التزامها بالقانون والأدلة والإجراءات العادلة، وقدرتها على بناء مؤسسات مستقلة قائمة على الكفاءة والمساءلة، بدل استبدال الولاءات القديمة بولاءات جديدة، سرعان ما اصطدمت بالقضاء الذي قضى ببطلانها في كثير من قراراتها واعادة من طالتهم الي مواقعهم.
وبقدر ما أتاحت المشاركة في السلطة لـ «قحت» فرصة التأثير في مسار الدولة، فإنها وضعت تماسكها الداخلي أمام اختبار مباشر ، فقد أصبحت القرارات التي أمكن تأجيلها في المعارضة ملحّة، وظهرت تباينات في المصالح والأولويات لم تستطع الهياكل التنظيمية احتواءها بصورة مستقرة، الي جانب تعارض المصالح وملامح الفساد والتجاوزات خارج أطر القانون.
سادسًا: الشراكة العسكرية والمدنية وتنازع الأولويات
تمحورت خلافات «قحت» حول قضايا مترابطة، كان أبرزها طبيعة الشراكة مع المؤسسة العسكرية وحدودها وموضوعات ليست ذات اولوية لدي جموع الشعب، فقد رأت أطراف أن التفاوض والتسويات ضرورة تفرضها موازين القوة القائمة، بينما اعتبرت أطراف أخرى أن التنازلات السياسية قد تضعف الانتقال المدني وتمنح القيادة العسكرية نفوذًا يتجاوز مقتضيات المرحلة.
وكان هذا الخلاف مرتبطًا بسؤال أعمق: هل يمكن الوصول إلى حكم مدني مستقر عبر شراكة تدريجية مع المؤسسة العسكرية، أم أن استمرار نفوذها السياسي والاقتصادي والأمني سيحول دون انتقال حقيقي للسلطة؟
لم تكن الإجابات متطابقة داخل التحالف، كما أن الخلاف لم يكن نظريًا فحسب؛ فقد انعكس على تقدير توقيت المواجهة السياسية، وحدود التفاوض، وطبيعة الضمانات المطلوبة، ومدى القدرة على تعبئة الشارع في مواجهة القرارات العسكرية، على خلفيات الممارسة السياسية التي تراجعت كثيرا وقادت لإحباط وتذمر شعبي .
وامتد التباين إلى اتفاق جوبا للسلام، الموقع في أكتوبر 2020م ، فقد عُدّ الاتفاق خطوة لمعالجة النزاعات وإشراك الحركات المسلحة في العملية السياسية، لكنه أثار اعتراضات تتعلق بترتيبات تقاسم السلطة والثروة، واتساع المشاركة، وأثر الاتفاق في توازن مؤسسات الانتقال.
وفي الملف الاقتصادي، لم تتفق مكونات التحالف على حدود الإصلاح وسرعته وكلفته الاجتماعية. كما تداخلت الخلافات السياسية مع التنافس على المناصب والتمثيل، وطريقة اختيار شاغلي المواقع العامة، ومدى الالتزام بالكفاءة وتوسيع المشاركة.
ولم يكن الاختلاف في ذاته أمرًا مستغربًا داخل تحالف واسع، بل إن التعدد قد يكون مصدر قوة عندما تحكمه مؤسسات فاعلة ، إنما تمثلت المشكلة في ضعف الآليات القادرة على تحويل الخلاف إلى تسويات ملزمة، وفي تراجع الثقة بين بعض المكونات، حتى انتقلت النزاعات من النقاش داخل المؤسسات إلى تبادل الاتهامات وبناء اصطفافات خارجها.
وبذلك، لم يعد الخلاف محصورًا في كيفية إدارة المرحلة الانتقالية، بل امتد إلى تعريف المشروع المدني ذاته، وحدود التسوية مع العسكريين، ومن يملك حق تمثيل الثورة والتحدث باسمها.
سابعًا: من الانقسام الداخلي إلى تعدد التحالفات
1. انقلاب أكتوبر 2021م ونهاية صيغة الشراكة
في 25 أكتوبر 2021م، استولى المكون العسكري على السلطة، وأُقصي الجانب المدني من مؤسسات الحكم الانتقالي بما أسماه تصحيحا للمسار ، واعتُقل عدد من القيادات المدنية، من بينهم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك قبل أن يُعاد إلى منصبه بموجب اتفاق لاحق في نوفمبر 2021 م ثم استقالته في الخامس من يناير 2022م .
وقعت هذه الأحداث في سياق تراجع وحدة القوى المدنية وتصاعد الخلافات حول الشراكة مع العسكريين، وقد حدّ الانقسام من قدرة هذه القوى على بناء جبهة سياسية متماسكة للدفاع عن الانتقال المدني، او استعادة السند الشعبي.
لكن من الضروري التمييز بين عاملين: فخلافات «قحت» أسهمت في إضعاف الجبهة المدنية، إلا أنها لا تفسر وحدها قرار القيادة العسكرية بالاستيلاء على السلطة، ولا تنقل إلى التحالف مسؤولية القرار العسكري ذاته.
لقد كشفت أحداث أكتوبر عن هشاشة الترتيبات الانتقالية بما فيها الوثيقة الدستورية والمحاصصة وحرص قحت على الانفراد بالسلطة والحكم بممارسة احتكارية دون مشروع او رؤية كلية جدية، وأن التوافق السياسي لم يكن مسنودًا بمؤسسات مستقرة قادرة او كفاءات تعين على حماية الانتقال عند اشتداد الصراع على السلطة من واقع الاجراءات التعسفية لتجفيف الخدمة المدنية والبعد عن دولة القانون والمؤسسات.
2. الاتفاق الإطاري ومحاولة استعادة المسار المدني
بعد خروجها من السلطة، سعت مجموعة المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير إلى استعادة المسار المدني عبر التفاوض مع المكون العسكري وقوى أخرى. وفي 5 ديسمبر 2022م، وُقّع الاتفاق السياسي الإطاري، الذي طرح مبادئ لتأسيس سلطة انتقالية مدنية جديدة، وإصلاح القطاع الأمني والعسكري، ومعالجة قضايا العدالة الانتقالية والاقتصاد واتفاق جوبا والسلام في شرق السودان بترتيبات هلامية .
وقد حظي الاتفاق بدعم من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد»، التي اعتبرته خطوة أولى نحو استعادة انتقال مدني، مع التشديد على ضرورة توسيع المشاورات لمعالجة القضايا العالقة وإشراك القوى التي لم توقّع عليه.
غير أن الاتفاق واجه اعتراضات من قوى سياسية ومدنية ومن قيادة الجيش التي رأت أن قاعدة المشاركة فيه غير كافية، أو أنه لا يعالج بصورة متوازنة قضايا الشرعية والتمثيل وتوزيع السلطة، كما ظل إصلاح القطاع الأمني والعسكري، ولا سيما مستقبل قوات الدعم السريع وترتيبات دمجها في القوات المسلحة، من أكثر القضايا حساسية.
ولم تُحسم هذه المسائل قبل اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023م ومع أن الاتفاق الإطاري كان جزءًا من المشهد السياسي السابق للحرب، فإن مجرد تعاقبه زمنيًا مع اندلاع القتال يكفي لإثبات أنه السبب المباشر أو الوحيد للحرب؛ رغم ارتباط اندلاعها بصراع أوسع على السلطة والقيادة العسكرية ومستقبل الدولة من قبل الدعم السريع كما كشفته الاحداث، في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة وفشل التوصل إلى تسوية أمنية وسياسية مقبولة.
وتظل تجربة الاتفاق قابلة للتقييم من حيث حصرية المشاركة، وتقدير المخاطر، وقدرته على معالجة الاختلالات العسكرية، دون اختزال الحرب في رواية أحادية كما حاول الراعي الاقليمي أو إعفاء قوات الدعم السريع المتمردة ورعاتها وداعميها من مسؤولياتها المباشرة عن اندلاعها.
3. الحرب وظهور «تقدّم»
مع اندلاع الحرب، انتقلت الأولوية إلى وقف القتال وحماية المدنيين والتعامل مع الكارثة الإنسانية. وفي أكتوبر 2023م، تشكلت تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية «تقدّم»، بقيادة عبد الله حمدوك، بمشاركة قوى سياسية ومهنية ومدنية، بينها أطراف كانت منضوية في «قحت».
وقد سعت «تقدّم» إلى بناء جبهة مدنية مناهضة للحرب، والدفع نحو وقف إطلاق النار ، وفتح المسار الإنساني، واستعادة العملية السياسية بشعار أوحد ( لا للحرب ) لا يقوم على رؤية شاملة لوقفها، لكن التحالف الجديد واجه بدوره تحديات التمثيل والشرعية والقدرة على الحفاظ على مسافة سياسية متوازنة من التمرد وإشعاله الحرب.
وأثار إعلان أديس أبابا الموقع في يناير 2024م بين حمدوك وقائد قوات الدعم السريع المتمردة محمد حمدان دقلو جدلًا بشأن حدود التواصل مع الأطراف المسلحة، ومدى قدرة «تقدّم» على الحفاظ على استقلال موقفها، وقد أكدت قيادات في التحالف أن الاتصال كان يستهدف وقف الحرب وحماية المدنيين، بينما رأى منتقدون أن هذه الاتصالات أوجدت انطباعًا بالانحياز أو أضعفت الثقة في حياد التحالف.
ومن المهم هنا التمييز بين التواصل السياسي الذي تقتضيه جهود الوساطة ووقف القتال، وبين التبعية السياسية أو الاصطفاف مع أحد الأطراف، فلا يكفي الاتصال بطرف مسلح لإثبات التبعية، كما لا يكفي إعلان الحياد لإثبات الاستقلال؛ بل ينبغي تقييم المواقف العملية، وشفافية الاتصالات، ومدى اتساقها مع حماية المدنيين ووحدة الدولة ورفض الانتهاكات.
4. انقسام «تقدّم»: «صمود» و«تأسيس»
في فبراير 2025م، انقسمت «تقدّم» على خلفية الخلاف بشأن تشكيل حكومة موازية في مناطق سيطرة الدعم السريع، وبرز مساران مختلفان: اتجهت القوى الرافضة لتشكيل حكومة موازية إلى تأسيس تحالف «صمود»، بينما مضت قوى أخرى في مسار ارتبط لاحقًا بتحالف «تأسيس»، الذي شارك في ترتيبات سلطة موازية مرتبطة بالدعم السريع.
لم يكن هذا الانقسام مجرد تغيير في الاسم أو إعادة توزيع للمواقع التنظيمية، بل عكس اختلافًا جوهريًا حول العلاقة بالدف الذي اشعل الحرب، وحدود المشاركة السياسية في مناطق السيطرة العسكرية، ومشروعية تشكيل سلطة موازية، ومخاطر تكريس الانقسام الجغرافي والسياسي.
فقد تمسك «صمود» بخطاب وقف الحرب ورفض إقامة حكومة موازية، بينما اتجه مسار «تأسيس» إلى بناء ترتيبات حكم في المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع ، وقد أثارت هذه الخطوة مخاوف بشأن وحدة الدولة، وشرعية المؤسسات، واحتمال تثبيت سلطتين متنافستين على الأرض، وهو ما اكدته الايام والممارسة.
ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع جميع القوى التي انحدرت من «قحت» باعتبارها كيانًا واحدًا أو افتراض تطابق مواقفها، فقد أصبح التمايز التنظيمي والسياسي جزءًا أساسيًا من الواقع الذي ينبغي توثيقه، مع وجود شبهة تقسيم الأدوار بحكم الرعاية الموحدة لهذه التنظيمات خارجيا .
5. التطورات اللاحقة: محاولات التقارب وحدودها
لم يمنع تعدد المسارات ظهور محاولات جديدة لبناء توافق حول السلام. ففي مشاورات أديس أبابا في يونيو 2026م، أعلنت مجموعة من القوى السياسية والمدنية، من بينها «صمود» والكتلة الديمقراطية لقوى الحرية والتغيير وحزب الأمة القومي وقوى أخرى، توافقًا على رؤية مشتركة لإطلاق مسار سلام شامل، غير أن اجتماعًا مباشرًا كان متوقعًا بين «صمود» و«تأسيس» لم ينعقد، وفق ما أوردته «سودان تريبيون»، بسبب غياب التواصل بين الطرفين.
وتكشف هذه التطورات عن مفارقة مهمة: فقد تتفق قوى متباينة على ضرورة إنهاء الحرب، لكنها تختلف في تعريف شروط السلام، وطبيعة الأطراف المشاركة، وقضايا الشرعية، ومستقبل الترتيبات الأمنية والعسكرية، وحدود المشاركة في الحكم.
ومن ثم، لا يكفي التوافق على عنوان عام مثل وقف الحرب لبناء جبهة سياسية مستدامة ، فالتوافق يحتاج إلى قواعد عملية تحسم كيفية حماية المدنيين، والتعامل مع الانتهاكات، ومنع قيام سلطات متنافسة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وضمان أن يكون الانتقال السياسي قائمًا على مشاركة أوسع من القيادات والتحالفات.
كما أن استمرار التواصل مع الأطراف الدولية والإقليمية، على أهميته في جهود السلام، لا يعوض بناء قاعدة اجتماعية داخلية فاعلة ، فشرعية أي مشروع مدني تتوقف في النهاية على قدرته على التعبير عن تطلعات السودانيين، والاستماع إلى المتضررين من الحرب والنازحين واللاجئين، وإشراك القوى المهنية والشبابية والنسوية والمجتمعات المحلية.
ثامنًا: الدور الخارجي في نشاة وتعزيز قحت
لم تتشكّل قوى الحرية والتغيير في فراغ داخلي معزول عن الخارج؛ فقد تزامنت الثورة والاعتصام مع اهتمام دبلوماسي وإقليمي ودولي متزايد بمستقبل السودان، وكانت هناك اتصالات بين فاعلين مدنيين وبعثات دبلوماسية، كما سعت أطراف خارجية إلى التأثير في مسار الانتقال السياسي وتوجيه بوصلته ، لكن التمييز واجب بين التواصل الدبلوماسي المعتاد والتدخل الخارجي الكثيف الذي شكل ملامح هذه الحاضنة خارج الأعراف المرعية، وبرزت بتدخلات كثيفة ووساطة سياسية، بما يؤكد وجود رعاية وتنسيق مباشر لتأسيس التحالف و إدارة الاعتصام؛ والأدلة والشواهد كثيرة و بشهادات موثوقة، والسؤال الاستراتيجي ليس ما إذا كان الخارج حاضراً، بل حدود حضوره، ومدى تأثيره في تشكيل التحالف وتحديد خياراته، وما إذا كان ذلك التأثير قد خدم استقلال القرار الوطني أم قيّد هامش حركته، وما يزال مستمرا .
تاسعاً: المآلات — إرث التحالف ومستقبل مكوناته
تكشف تجربة قوى الحرية والتغيير عن أهمية التحالفات الواسعة في مواجهة حكم الإنقاذ ، وعن صعوبة المحافظة على تماسكها عندما تنتقل من المعارضة إلى إدارة الدولة، فقد نجحت في جمع قوى متعددة حول هدف التغيير، لكنها واجهت صعوبات وتحديات جمة في تحويل هذا التوافق إلى برنامج مستقر وقواعد مؤسسية قادرة على إدارة الاختلاف والمحاسبة.
ولا يمكن إنكار إسهامها في التعبئة السياسية وفتح المجال أمام انتقال مدني احتكرت مسماه، كما لا يمكن تجاوز مسؤوليتها وفشلها في ادارة الدولة ضمن أوجه من ضعف الكادر والرؤية والتنسيق، وضيق المشاركة في بعض القرارات، والعجز عن احتواء الخلافات، وينبغي تقدير هذه المسؤولية ضمن سياق أوسع يشمل نفوذ القوى العسكرية، وتركة الحكم السابق، والأزمة الاقتصادية، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وتأثير الأطراف الخارجية.
إن الدلالة الأعمق للتجربة لا تكمن في أن التحالف نشأ ثم انقسم، فالتاريخ السياسي السوداني حافل بتحالفات اجتمعت حول خصم مشترك ثم تباعدت عند الانتقال إلى السلطة ، إنما تكمن في أن التحالف لم يتمكن من تحويل الرصيد (الثوري) الذي صادرته قحت إلى صيغة مؤسسية مستقرة لإدارة الاختلاف، وتداول المسؤولية، وتجديد الشرعية الشعبية.
لقد كانت وحدة «قحت» قائمة إلى حد كبير على أولوية إسقاط النظام، بشعارات اقعدها الواقع عن التجسيد، لكن التباينات حول شكل الدولة، والعلاقة بالمؤسسة العسكرية، والإصلاح الاقتصادي، والتمثيل السياسي، اكتسبت وزنًا أكبر بعد سقوط النظام. وأظهر ذلك الفارق بين القدرة على توحيد الاحتجاج والقدرة على بناء سلطة سياسية تستند إلى برنامج مشترك وآليات واضحة للمحاسبة، وتجاهل رغبات الشعب وواقعه.
وفي المقابل، لا يجوز اختزال تعثر الانتقال في أداء التحالف وحده ، فقد عملت القوى المدنية في بيئة اتسمت باستمرار نفوذ المؤسسة العسكرية، وتعدد مراكز القوة المسلحة والاقتصادية، وثقل تركة الحكم السابق، وتفاقم الأزمات الاقتصادية، لكن إدراك هذه العوامل لا يلغي ضرورة مراجعة خيارات القوى المدنية وتحديد ما كان خارج قدرتها، وما كان يمكنها معالجته عبر توسيع التوافق وتحسين إدارة المرحلة الانتقالية.
ثم جاءت الحرب لتعمّق أزمة المشروع المدني، إذ انتقل الاختلاف من التنافس على إدارة الانتقال إلى تباين المواقف من الدعم السريع ومسئوليته في إشعال الحرب وتبعاتها، ومحدودية قدرتها على التأثير ، وطبيعة الدور السياسي الممكن في ظل انهيار مؤسسات الدولة واتساع الكارثة الإنسانية، وأصبح تعدد المسارات المدنية جزءًا من الأزمة الأوسع التي تواجه السودان، لا مجرد شأن تنظيمي داخلي، اضافة الي تعدد المسارات الخارجية.
وبحلول عام 2026م، تشظى هذا الكيان، ولم يعد السؤال الأساسي هو إمكان إعادة جمع مكونات التحالف القديم تحت اسم واحد، بل ما إذا كانت القوى المدنية تستطيع الاتفاق على حد أدنى من المبادئ العملية: وقف الحرب، وحماية المدنيين، وصون وحدة الدولة، ورفض السلطات الموازية، وبناء مؤسسات مهنية خاضعة للقانون، وتهيئة انتقال سياسي يستند إلى مشاركة واسعة ومساءلة حقيقية.
إن إرث «قحت» لا ينبغي اختزاله في صورة النجاح الثوري المؤقت، أو إخفاق الحكم أو الانقسام اللاحق، فقد كانت جزءًا مؤثرًا من لحظة وطنية واسعة، لكنها لم تكن الممثل الوحيد لها، ولم تكن مكوناتها متفقة على مسار واحد بعد سقوط النظام، وتقتضي الكتابة الموضوعية التمييز بين دور التحالف في التعبئة، ومسؤوليته خلال المشاركة في السلطة، ومواقف مكوناته بعد الانقسام، دون تحميل كيان واحد جميع أوزار المرحلة أو إعفائه من مراجعة خياراته.
والدرس الأهم الذي تتركه هذه التجربة هو أن وحدة القوى السياسية لا تُقاس فقط بقدرتها على إسقاط خصم أو توقيع اتفاق، وإنما بقدرتها على إدارة الخلاف عندما تتعارض المصالح، وإخضاع القرار للمؤسسات، وتجديد شرعيتها عبر المشاركة والمساءلة ، فالثورة تفتح باب التغيير للتقدم والنجاح، لكن بناء الدولة يحتاج إلى ما هو أبعد من وحدة الشعار: يحتاج إلى مشروع وطني قابل للتنفيذ، ومؤسسات تحمي التعدد، وتوافق ينظم الاختلاف ولا يلغيه.
لقد بدأت «قحت» بتحالف جمعته معارضة حكم قائم، وصعدت إلى المشاركة في السلطة، ثم تفرقت مكوناتها مع تعثر الانتقال وتفاقم أزماته، قبل أن تعيد الحرب رسم حدود التحالفات المدنية وتفتح أسئلة جديدة حول الشرعية والتمثيل ووحدة الدولة.
ويبقى السؤال الذي يتجاوز مصير التحالف نفسه: هل تستطيع القوى المدنية السودانية تحويل تجربة (الثورة) والانقسام إلى مشروع وطني يستند إلى برنامج واضح، ومؤسسات مستقرة، وقاعدة اجتماعية واسعة، أم ستظل وحدتها رهينة الظروف الاستثنائية التي جمعتها، ثم فرقها عند أول اختبار حقيقي للسلطة؟
ذلك هو السؤال الذي تتركه تجربة قوى الحرية والتغيير مفتوحًا أمام التاريخ السوداني، وأمام مستقبل الحكم المدني وإمكان استعادة الانتقال الديمقراطي في السودان.
—————
٢٠ اكتوبر ٢٠٢٦ م



