مقالات الرأي
أخر الأخبار

حرب بلا نصر؟ أمريكا وإيران ومعركة كلفة الاستمرار!؟

السفير.د.معاوية البخاري

 

بعد ستة أشهر من المواجهة المفتوحة، لم يعد السؤال: من يستطيع أن يضرب أكثر؟ بل: من يستطيع أن يتحمل كلفة الاستمرار، ومن يملك مخرجاً سياسياً لا يبدو هزيمة؟

دخلت المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية مرحلة جديدة في الأول من سبتمبر 2026، مع استئناف الولايات المتحدة ضربات ضد أهداف إيرانية، وردّ إيران بهجمات صاروخية ومسيّرات، بعد فترة من الهدوء النسبي. ويأتي ذلك بينما لا تزال أزمة مضيق هرمز في قلب الصراع، بعدما تحولت الملاحة عبره إلى أحد أهم أدوات الضغط المتبادل.

وهكذا تبدو الحرب بعد ستة أشهر أمام مفارقة استراتيجية: التفوق العسكري الأمريكي لم يتحول إلى حسم سياسي، وقدرة إيران على الصمود لم تتحول إلى انتصار، بينما بدأت كلفة المواجهة تنتقل من ساحات القتال إلى الاقتصاد العالمي.

 

من العقوبات إلى الحرب: ماذا حققت سبعة عقود من الضغوط؟

العقوبات الأمريكية الحديثة على إيران تعود إلى ٤٧ عاماً؛ فقد بدأت بصورة مباشرة في نوفمبر 1979 عقب أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية، ثم تدرجت وتوسعت على مدى العقود التالية.

لكن الأهم من الرقم هو حصيلة التجربة الطويلة.

فواشنطن استخدمت العقوبات باعتبارها أداة لإجبار إيران على تغيير سلوكها في ملفات متعددة: الأمن الإقليمي، البرنامج النووي، الصواريخ، والعلاقات مع القوى والوكلاء الإقليميين. وقد ألحقت هذه العقوبات أضراراً عميقة بالاقتصاد الإيراني، لكنها لم تنتج النتيجة السياسية التي أرادتها واشنطن بصورة نهائية.

بل حدث شيء أكثر تعقيداً: تعلمت إيران كيف تعمل تحت الحصار.

نشأت شبكات مالية وتجارية بديلة، وتوسعت علاقاتها مع الصين وروسيا ودول أخرى، وطورت أدوات للالتفاف على العقوبات، والأهم أنها بنت عقيدة أمنية لا تقوم على التفوق التقليدي، وإنما على رفع كلفة الحرب على الخصم. وهنا تكمن إحدى أهم مفارقات الحرب الحالية:

 

العقوبات أضعفت إيران، لكنها لم تجعلها عاجزة عن الرد.

أمريكا: الانتصار العسكري لا يكفي

تمتلك الولايات المتحدة تفوقاً عسكرياً هائلاً يجعل قدرتها على ضرب الأهداف الإيرانية أمراً لا يحتاج إلى إثبات. لكن الحرب لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على تدمير أهداف الخصم.

السؤال الأصعب هو: ماذا بعد التدمير؟

إذا كان الهدف هو تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، فهل يمكن ضمان عدم إعادة بنائها؟

وإذا كان الهدف هو منع إيران من امتلاك قدرات نووية أو صاروخية، فهل يمكن تحقيق ذلك بالقوة وحدها؟ وإذا كان الهدف تغيير السلوك الإيراني، فما هي آلية إجبار دولة بحجم إيران على إعادة تعريف مصالحها الاستراتيجية؟

وإذا كان الهدف تغيير النظام، فهل تستطيع واشنطن التحكم في نتائج الفراغ الذي قد ينشأ؟

هذه الأسئلة تجعل الخروج من الحرب أصعب من الدخول إليها.

فالدولة تستطيع إعلان بداية الحرب بقرار سياسي، لكنها لا تستطيع دائماً تحديد اللحظة التي تنتهي فيها الحرب بالشروط التي تريدها.

 

إيران: استراتيجية عدم الانتصار مقابل عدم الهزيمة

لا تبدو إيران قادرة على تحقيق نصر عسكري تقليدي على الولايات المتحدة، لأن الحرب غير متكافئة . لكنها لا تحتاج إلى ذلك بالضرورة.

الاستراتيجية الإيرانية الأكثر واقعية قد تكون منع واشنطن من تحقيق نصر سياسي حاسم.

وهذا يعني استمرار القدرة على:

• الرد الصاروخي والمسيّر؛

• تهديد القوات والمنشآت الأمريكية؛

• التأثير في أمن الملاحة؛

• الضغط على أسواق الطاقة؛

• استخدام الجغرافيا الإيرانية ومضيق هرمز؛

• وإبقاء تكلفة الحرب مرتفعة بما يكفي لدفع واشنطن نحو التفاوض.

وهنا يصبح الصمود نفسه أداة تفاوضية.

فإذا لم تستطع الولايات المتحدة إنهاء القدرة الإيرانية على الرد، وإذا لم تستطع إيران إجبار الولايات المتحدة على الانسحاب، فإن الحرب تتحول إلى اختبار للإرادة والقدرة على تحمل الزمن.

السيناريو الأول: حرب استنزاف طويلة

هذا، في تقديري، هو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب.

الولايات المتحدة لا تبدو راغبة في حرب برية شاملة أو احتلال إيران، وإيران لا تستطيع تحمل مواجهة تقليدية مفتوحة مع القوة الأمريكية.

لذلك قد يستمر النموذج الحالي:

ضربة أمريكية ـ رد إيراني ـ تهديد للملاحة ـ ضغط على الطاقة ـ وساطة ـ تهدئة ـ ثم جولة جديدة.

وهذا أخطر من الحرب القصيرة من زاوية أخرى.

فالحرب القصيرة لها نهاية.

أما الحرب المتقطعة فقد تتحول إلى نظام أمني جديد.

أي أن يصبح التصعيد والتهدئة جزءاً من الوضع الطبيعي في الخليج.

السيناريو الثاني: تسوية تحت ضغط الكلفة

السيناريو الآخر هو أن تصل واشنطن وطهران إلى قناعة بأن كلفة الاستمرار تجاوزت الفوائد المتوقعة. وهنا يمكن أن تعود الوساطات الإقليمية إلى الواجهة.

وليس من المصادفة أن قطر أعلنت في الأول من سبتمبر عن جهود لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز. لكن أي تسوية لن تكون مجرد اتفاق على وقف إطلاق النار.

ستحتاج إلى معالجة حزمة كاملة من الملفات:

البرنامج النووي، الصواريخ، العقوبات، أمن الملاحة، الوجود العسكري الأمريكي، والعلاقات الإيرانية الإقليمية.

ولذلك فإن التسوية الأكثر واقعية قد لا تكون اتفاقاً شاملاً، وإنما سلسلة تفاهمات متدرجة تبدأ بالملاحة والطاقة، ثم تنتقل إلى الملفات الأمنية والسياسية الأكثر تعقيداً.

السيناريو الثالث: خطأ الحسابات

هذا هو السيناريو الأخطر.

فالحرب الطويلة تزيد احتمالات الحادث الذي لا يريده أحد. سفينة تُصاب، منشأة نفطية تُستهدف، قاعدة أمريكية تتعرض لخسائر كبيرة،

صاروخ يسقط في دولة خليجية.أو تتسع دائرة الاستهداف إلى دولة لم تكن طرفاً أصلياً في الحرب. عندها قد يتحول التصعيد التدريجي إلى حرب إقليمية واسعة لا يملك أحد السيطرة الكاملة على مسارها.

والتاريخ العسكري يعلمنا أن الحروب لا تتوسع دائماً بقرار استراتيجي كبير؛ أحياناً تتوسع عبر سلسلة من القرارات الصغيرة التي يصبح التراجع بعدها أصعب من الاستمرار.

 

إسرائيل: خرجت من الواجهة، لكنها لم تخرج من المعادلة

التراجع النسبي للظهور الإسرائيلي المباشر في العمليات لا يعني بالضرورة خروج إسرائيل من الحرب. الأدق أنه إعادة توزيع للأدوار.

فإسرائيل معنية بصورة مباشرة بنتيجة المواجهة، خصوصاً فيما يتعلق بالقدرات النووية والصاروخية الإيرانية وبمستقبل ميزان القوة الإقليمي. لكن استمرار الظهور الإسرائيلي في مقدمة الحرب قد يؤدي إلى توسيع دائرة المواجهة سياسياً وشعبياً في المنطقة.

لذلك فإن تقليص البصمة العملياتية الإسرائيلية قد يخدم استراتيجية أوسع: ترك الولايات المتحدة في مقدمة المواجهة، مع بقاء إسرائيل لاعباً رئيسياً في حسابات ما بعد الحرب.

الخروج من الصورة ليس بالضرورة خروجاً من اللعبة.

 

دول الخليج: الحياد لم يعد كافياً

أما دول المنطقة، وخصوصاً دول الخليج، فتجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد. هي لا تريد حرباً مع إيران. ولا تريد أن تكون أراضيها قاعدة لحرب أمريكية مفتوحة. وفي الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل التحالفات الأمنية القائمة مع واشنطن. لذلك قد يكون الخيار الأكثر عقلانية هو الحياد النشط: لا مشاركة مباشرة في الحرب، ولا قطيعة مع الولايات المتحدة، ولا مواجهة مفتوحة مع إيران، مع الاحتفاظ بقنوات اتصال ووساطة مع الطرفين، لكن المستقبل قد تصنعه الايام القادمة.وأن الأزمة الحالية ستدفع على الأرجح إلى سؤال أكبر:

هل تستطيع المنطقة الاستمرار في الاعتماد على مظلة أمنية خارجية واحدة؟

الحرب الحالية تجعل هذا السؤال أكثر إلحاحاً، وتدفع دول المنطقة إلى تنويع الشراكات الأمنية والدفاعية، بالتوازي مع تطوير قدراتها الذاتية.

إننا ربما نشهد بداية انتقال من مفهوم أمن الخليج تحت مظلة قوة واحدة إلى مفهوم أكثر تعقيداً يقوم على تعدد الشراكات وموازنة القوى.

 

هرمز: حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح

هنا تقع أخطر حلقات الأزمة. مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري. إنه أحد أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي. وقد أدى الصراع منذ فبراير إلى اضطراب شديد في حركة الملاحة، بينما تشير تقديرات حديثة إلى أن نحو 20% من إمدادات النفط العالمية كانت تمر عبر هذا الممر قبل الحرب. والأخطر أن تأثير هرمز لا يتوقف عند النفط. هناك الغاز الطبيعي المسال، والناقلات.

والتأمين البحري، والمصافي، والتمويل، وسلاسل الإمداد، والنقل الآسيوي.

ولهذا فإن إغلاق المضيق أو تعطيله لا يعني فقط فقدان براميل نفط، بل يعني ارتفاع تكلفة النظام الاقتصادي العالمي كله.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن صادرات النفط الإيرانية عبر هرمز توقفت عملياً لأسابيع، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار اضطراب حركة الناقلات.

 

الحرب تعيد رسم خريطة الطاقة

قد يكون هذا أحد أهم الآثار الاستراتيجية بعيدة المدى للحرب. فالدول المستوردة للطاقة ستتعلم درساً واحداً:

أمن الطاقة لا يعني فقط الحصول على النفط والغاز، بل ضمان الطريق الذي يأتي منه النفط والغاز.ولهذا بدأت الأسواق تتجه بصورة أكبر نحو تنويع مصادر الطاقة، فيما استفادت منتجـات من خارج الشرق الأوسط من الفراغ الذي أحدثه اضطراب هرمز.

وتشير بيانات حديثة إلى ارتفاع صادرات النفط من الأمريكتين إلى مستويات قياسية، مع تحول بعض الأسواق الآسيوية إلى مصادر أبعد جغرافياً لكنها أكثر أمناً نسبياً. وهكذا يمكن أن تنتج الحرب نتيجة استراتيجية غير مقصودة:

تقليل الاعتماد العالمي على بعض مسارات الطاقة في الشرق الأوسط، وتسريع إعادة توزيع تجارة الطاقة عالمياً.

 

من يدفع الثمن؟

إيران تدفع من اقتصادها. والولايات المتحدة تدفع من مواردها ومن قدرتها على إدارة انتشارها العسكري. ودول الخليج تدفع من أمنها واستثماراتها. والدول المستوردة للطاقة تدفع من فاتورة النفط والغاز والشحن. أما المواطن العالمي، فيدفع في النهاية عبر التضخم وارتفاع تكاليف النقل والطاقة والغذاء. وهنا تتجاوز الحرب حدودها الجغرافية.لقد بدأت كمواجهة أمريكية ـ إيرانية، لكنها أصبحت أزمة في الاقتصاد السياسي العالمي.

 

حرب بلا نصر؟

بعد ستة أشهر، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من معادلة منتصر ومهزوم. الولايات المتحدة تستطيع تدمير المزيد. وإيران تستطيع الاستمرار في الرد.لكن لا يبدو أن أياً منهما يستطيع بسهولة فرض النهاية التي يريدها. وهذا يقود إلى الحقيقة الاستراتيجية الأهم:

قد يكون النصر في هذه الحرب أقل أهمية من القدرة على منع الخصم من الانتصار.

وهنا تصبح معركة الأشهر المقبلة معركة إرادات أكثر منها معركة أسلحة.

من يستطيع تحمل أسعار النفط المرتفعة؟

من يستطيع تحمل اضطراب التجارة؟

من يستطيع تحمل الإنفاق العسكري؟

من يستطيع تحمل الضغوط الداخلية؟

ومن يستطيع أن يقدم لشعبه اتفاقاً لا يبدو استسلاماً؟

إنها في النهاية معركة كلفة الاستمرار.

وربما يكون الطرف الذي يملك أفضلية حقيقية ليس من يوجه الضربة الأقوى، وإنما من يستطيع الوصول إلى طاولة التفاوض في اللحظة التي يكون فيها خصمه أكثر حاجة إلى الخروج.

 

الخلاصة

الحرب الأمريكية ـ الإيرانية تدخل الآن مرحلة لا يكفي فيها التفوق العسكري لصناعة النصر، ولا يكفي الصمود وحده لصناعة الانتصار.

والخطر الأكبر ليس أن تنتصر إيران أو الولايات المتحدة انتصاراً حاسماً؛ بل أن تستمر الحرب دون أن يملك أي طرف القدرة أو الإرادة على إنهائها.

عندها يصبح مضيق هرمز ساحة تفاوض، والطاقة سلاحاً، والأسواق طرفاً في الحرب، ودول المنطقة أمام ضرورة إعادة تعريف أمنها الاستراتيجي.

وفي هذه اللحظة تحديداً، يصبح السؤال الأكثر أهمية:إذا لم يكن النصر العسكري الكامل متاحاً لأي من الطرفين، فمن يستطيع أن يتحمل كلفة الحرب أطول، ومن يستطيع أن يخرج منها دون أن يبدو مهزوماً؟ فأخطر كلفة للحرب ليست ما تدفعه الدول عندما تقرر الذهاب إليها، وإنما ما تضطر إلى دفعه عندما تكتشف أن كلفة الخروج أصبحت أكبر من كلفة البداية.

—————-

٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى