لانا نسيبة والأمانة العامة للأمم المتحدة.. حين يصبح النفوذ الإقليمي سؤالاً عن مستقبل النظام الدولي وقيمه ومبادئه!

السفير د. معاوية البخاري
ليست قضية ترشيح لانا نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة مسألة تتعلق بجنسية المرشحة، أو بخلفيتها العائلية وسيرتها الذاتية، أو حتى بكفاءتها المهنية بمعزل عن سياقها السياسي. إنها قضية تتصل بطبيعة المشروع الذي تقف خلفه الدولة التي رشحتها، وبالسجل الذي حملته المرشحة وهي تمثل سياسات تلك الدولة في المحافل الدولية، وبمدى قدرة الأمم المتحدة على حماية استقلالها من تأثير المال والنفوذ والتحالفات والأجندات الإقليمية والطموحات الشاطحة. وسجل لانا نسيبة الدبلوماسي وجهين لقضية واحدة: مدى اتساق المشروع السياسي الذي تمثله الدولة، والشخصية المرشحة باسمها، مع استقلال الأمم المتحدة وميثاقها.
إن السؤال الذي ينبغي أن يواجه العالم اليوم ليس ما إذا كان من حق الإمارات ترشيح إحدى دبلوماسييها؛ فهذا حق مثبت لا جدال فيه. السؤال الأهم هو: هل يكفي التفوق في أدوات الدبلوماسية والقدرات ، واتساع شبكة العلاقات، والقدرة على بناء التحالفات، لكي يصبح المرشح مؤهلاً لقيادة المنظمة الدولية الأولى، حتى عندما تكون الدولة التي رشحته محاطة باتهامات خطيرة بشأن تدخلاتها في نزاعات إقليمية وتغذية الصراعات، ورعاية الحرب بالتدخل غير الحميد، ويكون المرشح نفسه قد تولى الدفاع عن سياساتها في المنابر الدولية وبرر للمجازر والخراب والجرائم والانتهاكات الصارخة؟
من هنا، فإن تقييم ترشيح لانا نسيبة لا ينفصل عن تقييم السياسة الخارجية الإماراتية، ولا يمكن أن يقتصر على السيرة الذاتية للمرشحة. فالأمانة العامة ليست امتداداً لوزارة خارجية، ولا مكافأة تمنحها الدول لنفسها عبر مرشحيها، بل مسؤولية دولية تقتضي استقلالاً حقيقياً، وقدرة على تطبيق ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه على الجميع، من دون استثناءات أو تجزئة تفرضها المصالح أو التحالفات والمقاصد الخفية.
أولاً: المرشحة وسجل الدولة التي تمثلها
أعلنت الإمارات ترشيح لانا نسيبة في 21 أكتوبر 2026، بعد أن أمضت أكثر من عقد مندوبة دائمة لبلادها لدى الأمم المتحدة، من عام 2013 حتى 2024، قبل انتقالها إلى مناصب عليا في وزارة الخارجية الإماراتية. وهي خبرة مهنية لا ينبغي إنكارها، لكنها لا تعفي من فحص المواقف والسياسات التي ارتبطت بها خلال سنوات تمثيلها لدولتها. وقد تناولت تغطيات دولية، بينها رويترز و«وول ستريت جورنال» و«ديفكس»، الجدل حول الترشيح في ضوء الاتهامات الموجهة للإمارات بشأن السودان، إلى جانب الحديث عن خبرتها الدبلوماسية أثار جدلاً واسعاً.
لقد كانت نسيبة من أبرز الوجوه التي عرضت السياسة الإماراتية ودافعت عنها أمام الأمم المتحدة. وهي التي عطلت البيان العربي المساند للسودان في ١٨ أبريل ٢٠٢٣ لضرب السردية السودانية وتمرير سردية بلادها التي تقوم على نسف شرعية البلاد القائمة ، ومنح الغطاء للتمرد ورعاته لتفتيت السودان وتمزيقه وتبرير جرائمه. وفي أبريل 2024، عندما تصاعدت الاتهامات السودانية بشأن إمداد قوات الدعم السريع، شاركت في الرد الرسمي الإماراتي الرافض لتلك الاتهامات. ولذلك، فإن السؤال عن دورها لا يُطرح لأنها إماراتية، بل لأنها كانت في موقع متقدم من مواقع صناعة الخطاب الدبلوماسي والقرار الذي مثّل سياسة بلادها والدفاع عنها وما تزال آثار المقتلة والدمار والإفقار لما أصاب الامة السودانية على أشدها.
ولا يعني ذلك أن كل مسؤول دبلوماسي مسؤول شخصياً عن كل قرار عسكري أو أمني تتخذه حكومته، أو أن مجرد تمثيل الدولة يثبت المشاركة في أفعالها الميدانية. لكن من يتولى الدفاع العلني عن سياسة حكومته في قضية دولية خطيرة لحقبة تاريخيّة مقدرة، يتحمل مسؤولية وطنية تاريخيّة وأخلاقية سياسية عن مواقفه المعلنة، ويصبح سجله جزءاً مشروعاً من تقييمه حين يطلب ثقة المجتمع الدولي لقيادة الأمم المتحدة لاكمال مشروع دولته الخطير.
إن الانتقال من تمثيل الدولة إلى قيادة المنظمة الدولية ليس انتقالاً بروتوكولياً فحسب؛ إنه انتقال في طبيعة المسؤولية والمهام الأخطر فيما نواجهه من تكالب. ومن حق العالم أن يسأل المرشحة بوضوح: هل تستطيع أن تضع استقلال الأمم المتحدة فوق مقتضيات السياسة الوطنية التي دافعت عنها؟ وهل ستقبل تحقيقاً دولياً مستقلاً في الاتهامات المتعلقة ببلادها، حتى إذا قادت نتائجه إلى مساءلة جهات إماراتية هي من بينها؟ وكيف ستضمن ألا تتقدم مصالح الدولة التي رشحتها على مقتضيات الميثاق وواقع تدخلات بلادها وتأزيمها لأمن واستقرار الدول؟
هذه أسئلة مشروعة، وليست أحكاماً مسبقة على نيات المرشحة، نسوقها من واقع شهدنا نتائجه. لكن الإجابة عنها لا يمكن أن تكون خطاباً عاماً عن التعددية الدولية، بل موقفاً واضحاً من الوقائع والحقوق والمساءلة وعدم الإفلات من العقاب، حتى وان سقط دنيوياً بالتسييس والتمييز والانتقائية فلن يسقط عند الله.
ثانياً: السودان، حيث لا يجوز أن تختبئ المسؤولية وراء اللغة الدبلوماسية
منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، دفع السودانيون ثمناً هائلاً من أرواحهم وأمنهم وبيوتهم ومؤسسات دولتهم وبنيتهم التحتية. واتسعت رقعة النزوح واللجوء والدمار والانتهاكات البشعة، وتعرض المدنيون لجرائم خطيرة، بينما تحولت البلاد إلى ساحة تتداخل فيها الحسابات الداخلية والتدخلات الإقليمية ومن خارجه، وشبكات التسليح والتمويل والتجنيد، والمسيرات والرعاية الحاضنة.
وفي قلب هذه المأساة تقف الاتهامات الموجهة إلى الإمارات بدعم قوات الدعم السريع المتمردة عسكرياً ولوجستياً. وهذه ليست اتهامات ظهرت في سجال سياسي عابر، بل قضية تناولتها تقارير وتحقيقات دولية إنسانية وحقوقية متعاقبة وموثقة، من بينها تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة لعام 2024، وتحقيقات منظمة العفو الدولية، ثم تقرير هيومن رايتس ووتش الصادر في مايو 2026.
ففي تقريره النهائي لعام 2024، الوثيقة S/2024/65، وصف فريق الخبراء الأممي الادعاءات المتعلقة بوصول أسلحة وذخائر إلى قوات الدعم السريع عبر تشاد من الإمارات بأنها «ذات مصداقية»، ونقل معلومات عن شحنات أسلحة وذخائر كانت تُنقل من مطار أم جرس في تشاد باتجاه دارفور. وأورد التقرير التفسير الإماراتي القائل إن الرحلات كانت لأغراض إنسانية، لكنه سجل أن مصادر متعددة في شرق تشاد ودارفور قدمت معلومات عن شحنات عسكرية.
ثم جاء تقرير هيومن رايتس ووتش في 25 مايو 2026 ليضيف ملفاً أكثر تفصيلاً بشأن المقاتلين الكولومبيين الذين جرى تجنيدهم عبر شركة أمنية مقرها أبوظبي، وعبورهم منشآت عسكرية إماراتية قبل نشرهم في السودان للقتال إلى جانب الدعم السريع. وذكر التقرير أدلة على وجود مقاتلين أجانب في عمليات الدعم السريع، وعلى صلات بين شركة التجنيد وشبكات مرتبطة بمؤسسات إماراتية، كما أشار إلى ظهور معدات وذخائر عسكرية في أيدي الدعم السريع سبق بيعها للقوات الإماراتية، مع بقاء بعض حلقات انتقال المعدات بحاجة إلى مزيد من التحقيق. فضلا عن ما لدى الأجهزة السودانية من ادلة واثبات للأشخاص والمعدات والأجهزة قدمت ضمن شكاوى السودان بمجلس الامن ومحكمة العدل الدولية.
هذه ليست تفاصيل هامشية. إنها وقائع وتقارير تضع مسؤولية الإمداد العسكري والتجنيد والتسهيل أمام المؤسسات الدولية، وتستوجب تحقيقاً شاملاً في سلسلة المسؤولية: من موّل، ومن جنّد، ومن نقل، ومن درّب، ومن سهّل عبور المقاتلين والسلاح، ومن يحتضن هولاء القادة ويسهل حركتهم ويسوق اجتماعاتهم ومؤتمراتهم إقليمياً دولياً، ومن امتلك القدرة على منع ذلك ولم يفعل؟
إنني لا أسوق هذه الأدلة بوصفها حكماً قضائياً نهائياً في كل جزئية من جزئيات المسؤولية الإماراتية، لكنني انطلق من الضرر الكبير والكيد الذي وقع على بلدي وشعبي، وأرفض في الوقت نفسه اختزالها في مجرد اتهامات متبادلة بين حكومتين. فحين يصف فريق خبراء أممي اتهامات محددة بأنها ذات مصداقية، وحين تنشر منظمة دولية تحقيقاً يستند إلى مقابلات ووثائق وصور ومقاطع جرى التحقق منها، وأيضا كبريات الصحف العالمية والمحللين يصبح واجب المجتمع الدولي التحقيق والمساءلة، لا الاكتفاء بالنفي الرسمي.
لقد ظل السودان يطالب بوقف أي إمداد عسكري خارجي لقوات الدعم السريع، وبإخضاع الجهات التي تسهم في إطالة أمد الحرب للمساءلة. وهذه المطالبة ليست عداءً للإمارات ولا انتقاصاً من شعبها الذي شاركه شعب السودان النهضة والبناء، بل دفاعا عن حق السودانيين في الحياة الكريمة والسيادة والعدالة. فالسودانيون الذين فقدوا أبناءهم وبيوتهم وجرى اغتصاب حرائرهم لا يمكن مطالبتهم بالتعامل مع قضية السلاح والتمويل باعتبارها خلافاً دبلوماسياً قابلاً للتأجيل.
ولا يجوز أن يتحول الحديث عن السلام إلى غطاء يساوي بين من يدعو إلى إنهاء الحرب ومن يُشتبه في أنه يسهم في تغذية قدرات أحد أطرافها (فكرة الطرفانية هي من صنع لانا ودولتها). إن السلام لا يتحقق بمجرد جمع الأطراف إلى طاولة التفاوض، بل يتطلب وقف مصادر السلاح، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان ألا يتحول التمويل الخارجي إلى وسيلة لإطالة الصراع أو فرض وقائع جديدة بالقوة، وتقويض سلم الاقليم ومؤسساته بإفساد القيم وشراء الذمم.
ثالثاً: من الاعتصام إلى الاتفاق الإطاري… تقاطعات الداخل والخارج حتى اندلاع الحرب
لم تكن الثورة السودانية، ولا الاعتصام أمام القيادة العامة، ولا مسارات الانتقال السياسي، بمنأى عن التنافس الإقليمي والدولي على مستقبل السودان. فقد تحركت دولة الإمارات العربية المتحدة مبكراً للتواصل مع القوى السياسية والعسكرية، وقدمت مع السعودية دعماً مالياً ومادياً بقيمة ثلاثة مليارات دولار في أبريل 2019، كما أقرت أبوظبي علناً باستمرار اتصالاتها مع المجلس العسكري والمعارضة في يونيو من العام نفسه. وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات مشروعة حول طبيعة النفوذ الخارجي، وحدود تأثيره في خيارات القوى السودانية، وما إذا كانت بعض التفاهمات الإقليمية قد أسهمت في إعادة تشكيل موازين السلطة خلال المرحلة الانتقالية، وما أنتهت اليه البلاد من حرب وواقع.
رابعا :الذهب السوداني وتمويل الحرب
لا تكتمل قراءة الحرب السودانية من دون فحص العلاقة بين الموارد الطبيعية وشبكات التمويل والتجارة العابرة للحدود. فالذهب السوداني الذي رفع سجل الإمارات في هذه السلعة عالميا هو ثمار ترابنا و أرضنا، لا مجرد سلعة تجارية في اقتصاد يعاني من الحرب وتجارها ، بل مورد استراتيجي يمكن أن يتحول، عندما يقع تحت سيطرة شبكات مسلحة أو وسطاء مرتبطين بها، إلى مصدر لتمويل القتال وشراء السلاح واستدامة النفوذ وتمزيق البلاد .
وقد تناول تقرير فريق الخبراء الأممي لعام 2024 شبكات اقتصادية ومالية مرتبطة بقوات الدعم السريع، وأورد واقعة تتعلق بتسلم تاجر ذهب سوداني مرتبط بالقوات خمسين كيلوغراماً من الذهب في دبي في مايو 2023. هذه الواقعة وحدها اشارة في حرب الذهب والثروات تشير أن الحكومة الإماراتية أدارت تجارة الذهب و استولت على عائداته، بل انها تؤكد أهمية التحقيق في مسارات الذهب السوداني، والجهات التي تتعامل معه، والمستفيدين من عائداته، ومدى ارتباط بعض المعاملات بتمويل الحرب. والشركات والبنوك والتجار وكل من تعامل فيه بالإمارات وحركة الأموال فيها.
ومن حق السودان أن يطالب بتتبع الذهب والمعادن النفيسة التي تخرج من أراضيه في ظروف الحرب، وبكشف الوسطاء والشركات والجهات التي تستفيد من التجارة غير المشروعة، وبالتعاون الدولي لمنع تحويل الموارد السودانية إلى مصدر لتمويل العنف ونسف الاستقرار . كما أن من حق السودانيين أن يعرفوا إن كانت ثرواتهم تُستغل لإدامة الحرب التي تدمر دولتهم، ومن يتحمل المسؤولية إذا أثبتت التحقيقات ذلك.
إن الحديث عن الذهب ليس تفصيلاً اقتصادياً منفصلاً عن الملف السياسي؛ فحين تتداخل التجارة والتمويل والسلاح، يصبح السؤال عن الموارد سؤالاً عن السيادة الوطنية والشرعية وعن قدرة الحرب على الاستمرار. ولذلك، فإن أي مشروع إقليمي يتعامل مع السودان ينبغي أن يُقاس بمدى مساهمته في استقرار البلاد واستعادة مواردها لخدمة شعبها، لا بمدى استفادة شبكات النفوذ والتجارة من ضعف الدولة وتمزقها، وتسويق المليشيا والمنظومات الي حكم موازي .
خامساً: من السودان إلى ليبيا واليمن والقرن الأفريقي
لا ينبغي أن يُقرأ الدور الإماراتي في السودان وجواره، بمعزل عن سجل تدخلات الإمارات في ساحات إقليمية أخرى. فقد تناولت تقارير دولية وتحليلات حقوقية أدواراً إماراتية في ليبيا واليمن وتشاد وأثيوبيا وجنوب السودان ، بما في ذلك دعم أطراف محلية مسلحة وتقديم موارد عسكرية وأمنية في سياقات النزاع. ولا يعني ذلك أن أسباب الحروب في هذه البلدان واحدة، أو أن مسؤوليات القوى المحلية والدولية متطابقة؛ لكنه يفرض سؤالاً عن النمط الأوسع لاستخدام النفوذ الخارجي وتشابكات المصالح في النزاعات.
في ليبيا، أدى تداخل الصراع الداخلي مع التدخلات الخارجية إلى تعقيد فرص التسوية وإطالة الانقسام. وفي اليمن، تداخلت أهداف أطراف التحالفات وتباينت الأولويات، بما أضاف طبقات جديدة إلى حرب مدمرة. وفي القرن الأفريقي والبحر الأحمر، تزايد التنافس على الموانئ والممرات البحرية والشراكات الأمنية، بما جعل الدول الواقعة على هذه المسارات عرضة لتنافس القوى الإقليمية والدولية.
وفي الجزائر، أظهرت التوترات مع الإمارات وجود تباينات سياسية أوسع بشأن التوجهات الإقليمية ومجالات النفوذ أدت الي قطع العلاقات بين البلدين. كما كشفت الأزمة الخليجية مع قطر، التي بلغت ذروتها في عام 2017 قبل المصالحة في قمة العلا عام 2021، عن مدى قابلية الخلافات بين دول عربية متقاربة لأن تتحول إلى أزمة إقليمية ممتدة وحريق لا يكاد ينطفئ .
لا تكفي هذه الملفات وحدها لإثبات أن جميع السياسات الإماراتية تنطلق من خطة واحدة أو هدف موحد، كما لا يصح نسبة إدارة كل أزمة إلى لانا نسيبة شخصياً ولكن بوصفها اكبر ممثل سياسي اممي لدولتها ترغب في الصعود الدولي بهذا السجل الحافل بالمخاطر والأحداث المقعدة. وجمعها في إطار تحليلي واحد يثير سؤالاً مشروعاً: هل تُستخدم أدوات النفوذ الإقليمي لبناء ترتيبات مستدامة تعزز سيادة الدول وتقلل النزاعات، أم أنها قد تسهم، في بعض الحالات، في إعادة تشكيل موازين القوة داخل الدول الهشة بما يطيل أزماتها ويعيد هندسة الاقليم؟ وليس قدراً محضاً ان تتزامن هذه الاحداث جميعها إبان حقبة لانا التي استمرّت ١٠ سنوات مندوبا دائما لبلادها بالامم المتحدة.
هذا السؤال يستحق الإجابة من خلال الوقائع الموثقة، التي لا تخطئها العين والبصيرة. لكن ما لا يجوز هو إعفاء أي دولة من المساءلة عن تدخلاتها لمجرد أنها تمتلك علاقات واسعة أو تلعب أدواراً اقتصادية واستثمارات ودبلوماسية بهدف إشكالي، لتحقيق نزوات ومصالح ليست مما تعارف عليه العالم في علاقات الامم والشعوب.
سادساً: اتفاقات أبراهام وحدود السلام الذي تصنعه التحالفات
كتابات منشورة وتوثيقات تشير الي أن لانا زكي نسيبة من الدبلوماسيين الـ عرّابين الذين أسّسوا لاتفاقات أبراهام داخل بلادها وفي المحافل الدولية. وتوجوا ذلك بما يعرف ب «بيت العائلة الإبراهيمية» (Abrahamic Family House)، الكائن في جزيرة السعديات بالعاصمة الإماراتية أبوظبي وقد مثلت هذه الاتفاقات تحولاً في علاقات الإمارات وإسرائيل، وفتحت مسارات للتعاون الدبلوماسي والاقتصادي والأمني. ومن حق الدول أن تعيد النظر في علاقاتها وأن تبحث عن تفاهمات وترتيبات تخدم مصالحها، كما أن خفض التوتر وإقامة قنوات اتصال قد يفتحان فرصاً للتفاهم.
لكن السؤال لا يتعلق بإقامة العلاقات في ذاتها وتأسيس رؤية للمبادي الإبراهيمية تنطلق من بلادها ، بل بطبيعة السلام الذي يراد بناؤه: هل يقود إلى معالجة جذور الصراع الفلسطيني، ويحفظ الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينيون أم القضايا العربية والإسلامية ، ويعزز احترام القانون الدولي؟ أم يصبح جزءاً من اصطفاف إقليمي يعيد ترتيب التحالفات الأمنية والاقتصادية من دون معالجة أسباب الصراع الممتد وتصفية القضية!؟
إن معيار الأمم المتحدة ينبغي أن يكون ثابتاً: لا سلاما مستداماً مع تجاهل حقوق الشعوب، ولا استقرارا حقيقياً إذا بُني على إضعاف طرف أو تهميش وهدر حقوقه، ولا شرعية لترتيبات سياسية تتجاوز القانون الدولي. ومن ثم، فإن تقييم سجل المرشحة لا ينبغي أن يقوم على تأييد اتفاق أو رفضه فحسب، بل على مدى التزامها بمبادئ الميثاق، وبحقوق الإنسان، وبحل النزاعات وفق القانون والقرارات العربية والإسلامية والدولية ذات الصلة.
سابعاً: حين يصبح الترشيح اختباراً لثقة العالم في الأمم المتحدة
لم تقتصر الأسئلة حول ترشيح لانا نسيبة على الأصوات السودانية أو العربية. فقد تناولت وسائل إعلام دولية، بينها رويترز و«وول ستريت جورنال» و«ديفكس» وغيرها وما تزال ، فالجدل المحيط بالترشيح في سياق دور الإمارات في السودان ومناطق أخرى ملتهبة، إلى جانب خبرة نسيبة الدبلوماسية وطموحات الإمارات الدولية. وذهبت بعض المؤسسات البحثية والحقوقية إلى المطالبة بتدقيق أكبر في السجل الإماراتي، بينما رأى آخرون أن خبرة المرشحة قد تكون مؤهلاً مهماً للمنصب رغم ما يحيط به من أدوار. وهذا تباين حقيقي ينبغي عرضه بدقة، لا الادعاء بوجود إجماع دولي لم يتشكل بعد ، والمنافسة في بواكيرها.
لكن تعدد هذه الأسئلة يبين أن الترشيح لا يمكن أن يُعامل بوصفه إجراءً بروتوكولياً أو ترشيحا عابرا دون خلفيات ومغازي . فالأمين العام المقبل سيواجه حروباً ممتدة، وأزمات ثقة في المؤسسات الدولية، وتراجعاً في احترام القانون الدولي، وتدليساً في القيم الامنية، وتنافساً متصاعداً على الموارد والممرات الاستراتيجية. وفي مثل هذا السياق، لا تكفي الخبرة في بناء التوافقات إذا لم تصاحبها قدرة على مواجهة الدول القوية حين تتعارض سياساتها مع الميثاق.
إن منصب الأمين العام ليس جائزة تمنح لدولة نجحت في توسيع نفوذها كيفما اتفق، ولا وسيلة لتكريس المكانة الدولية لمرشح أو حكومة. وبموجب المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة، يُعيَّن الأمين العام من الجمعية العامة بناءً على توصية مجلس الأمن. وهذا يجعل عملية الاختيار مسؤولية دولية تتطلب نزاهة وشفافية وتدقيقاً في سجل المرشحين ومواقفهم وأثرها على الامن والسلم الدوليين.
وإذا كانت الأمم المتحدة تطالب الدول بالشفافية والمساءلة، فلا يجوز أن يكون اختيار قيادتها أقل خضوعاً لهذين المبدأين. وإذا كانت المنظمة تسعى إلى استعادة ثقة الشعوب، فعليها أن تثبت أن معيارها هو الاستقلال والكفاءة والنزاهة وطهر اليد من الجرائم، لا اتساع شبكة المصالح أو القدرة على حشد الدعم السياسي.
وعليه، فإن السؤال الذي ينبغي توجيهه إلى نسيبة وجميع المرشحين هو: كيف ستضمنون استقلال الأمانة العامة عن الدول التي دعمت ترشيحكم؟ كيف ستتعاملون مع الأدلة المتعلقة بتسليح أطراف النزاعات أو تمويلها؟ وهل ستقبلون التحقيق المستقل والمساءلة حين تقود النتائج إلى حلفاء أو إلى الدولة التي رشحتكم؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست تفصيلاً في حملة الترشيح، بل شرط أساسي لبناء الثقة في المنصب.
ثامناً: مسؤولية عربية وأفريقية وإسلامية لا تحتمل الصمت
إن ما جرى ويجري في السودان ينبغي أن يكون درساً لدول المنطقة كلها. فالأمن العربي والأفريقي والإسلامي لا يتجزأ، و لا يمكن أن يُبنى على صفقات النفوذ، ولا على إضعاف الدول الوطنية، وإسناد المجموعات الارهابية بأجنداتها المدمرة، ولا على تحويل الأزمات الداخلية إلى فرص للتوسع السياسي أو النفوذ الاقتصادي. كما أن الروابط التاريخية والثقافية والدينية بين الشعوب لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء للصمت عن السياسات التي تضر بها، والتاريخ يعاد ويستذكر والايام دول.
وليس المقصود بناء جبهة عداء ضد الإمارات أو تحويل الخلافات السياسية إلى خصومة بين الشعوب على ما وقع على بلادي وغيرها من ابتلاء عظيم وكرب جلل نحتاج معه الي عقود لتجاوزه. المطلوب رفع الوعي الجمعي بأن تقوم العلاقات بين الدول على احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعاون التنموي، والتزام قواعد القانون الدولي. فنجاح الإمارات الاقتصادي لا يمنحها رافعة أو حصانة من المساءلة السياسية بتحالفاتها ونفوذها، كما أن انتقاد سياساتها لا يبرر إنكار ما هي عليه من تطور أو الإساءة إلى شعبها الذي نتشارك معه الإخاء والانتماء والمشتركات القيمية والإنسانية.
وللسودان أيضاً مسؤولية في بناء دولة قوية ومؤسسات مهنية وسياسة خارجية قادرة على توثيق الأدلة وتقديمها إلى الهيئات المختصة، وتوحيد الموقف الوطني، وحماية الموارد من شبكات الفساد والتهريب. فالدفاع عن السيادة لا يكتمل بإدانة التدخلات الخارجية وحدها، بل يتطلب عملاً داخلياً جباراً يعزز قدرة الدولة على حماية شعبها وقرارها ومصالحها عبر مواقف وسياسات قوية تعبر عن ارادتها الداخلية وصون كرامة شعبها .
إن أمن السودان ليس منفصلاً عن أمن ليبيا وتشاد وجنوب السودان وأثيوبيا، واليمن والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، كما أن استقرار شمال أفريقيا والخليج ليس شأناً محلياً معزولاً عن الأمن والسلم الدوليين. ومن ثم، فإن اختيار الأمين العام المقبل ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه قراراً يمس مستقبل هذه المنظومة كلها، لا مجرد منافسة على منصب دولي رفيع بالنظر الي ما يحيط بهذه المناطق من تحديات جوهرية.
خاتمة: لا حصانة للنفوذ من المساءلة
إن جوهر القضية ليس الحكم على لانا نسيبة بسبب جنسيتها، ولا افتراض أن كل دبلوماسي يمثل دولته سيظل بالضرورة أسير سياساتها إذا تولى منصباً دولياً. جوهر القضية هو أن سجل المرشح، ومواقفه العلنية، وطبيعة المشروع السياسي الذي مثّله وعبر عنه ، كلها عناصر لا يجوز فصلها عن تقييم أهليته لتولي منصب يتطلب استقلالاً عن المصالح الوطنية الضيقة.
وفي الحالة السودانية وحجم الأضرار المترتبة، فإن التقارير الأممية والتحقيقات الحقوقية المتعلقة بالسلاح والمقاتلين الأجانب ومسارات الإمداد تجعل الأسئلة بشأن الدور الإماراتي أسئلة مشروعة لا يجوز تهميشها أو التغافل عنها. ولا بد من تحقيقات مستقلة تحدد المسؤوليات، ومن تعاون دولي يمنع استمرار الإمداد العسكري الذي يفاقم الحرب، ومن مساءلة كل جهة يثبت تورطها في إطالة الصراع أو دعم الانتهاكات.
إن الأيام وحدها لا تكشف الأجندات؛ الذي يكشفها هو التحقيق والتوثيق والمساءلة، والقدرة على وضع الوقائع أمام الرأي العام العالمي من دون خوف من نفوذ أو تحالف. ولذلك، فإن واجب العالم اليوم ليس إصدار أحكام نهائية على النوايا، بل ضمان ألا يتقدم النفوذ على التدقيق، وألا تتحول العلاقات السياسية إلى حصانة مطلقة من المحاسبة، وألا يُمنح أي مرشح ثقة قيادة الأمم المتحدة قبل فحص سجلّه ومواقفه عبر تجاربه وضمانات استقلاله وحياديته وسلامة كسبه.
البعد الاستراتيجي هنا، من حق الإمارات أن ترشح من تشاء، فالسجل الشخصي للمرشح يعود للدولة ، ولكننا بصدد ما تجاوزه المرشح بالأفعال، ومن حق المجتمع الدولي أن يسائل الترشيح بصرامة وأن يدقق في مقاصده والمباديء والقيم الدولية الكلية، ومن حق السودان أن يطالب بالحقيقة والعدالة بشأن الحرب التي دمرت بلاده. وهذه الحقوق ليست متناقضة؛ بل هي جوهر النظام الدولي الذي يُفترض أن تقوم عليه الأمم المتحدة.
إن العالم لا يحتاج إلى أمين عام بارع في إدارة المصالح كيفما كان وتكريس الظلم دون قيم ومباديء، بل إلى قيادة تستطيع تجسيد الميثاق والدفاع عنه حين تتعارض مبادئه مع مصالح الدول النافذة؛ قيادة لا تجعل حقوق الشعوب وحماية المدنيين رهينة للأهواء والتحالفات، ولا تساوي بين الأدلة والنفي لمجرد أن الاتهام يمس دولة ذات مال ونفوذ ومصالح متشابكة وارتباطات عقدية، ولا تسمح بأن تتحول معاناة المدنيين والضحايا إلى هامش في حسابات القوة على نحو ما وقع بالسودان.
فالأمانة العامة للأمم المتحدة ليست جائزة للمال والنفوذ، ولا منصة لتوسيع أجندات الدول وطموحاتها غير المشروعة؛ إنها أمانة على ميثاق يحمي العالم من تغوّل القوة، وعلى مبادئ لا تكتسب قيمتها إلا حين تُطبّق على الجميع. وهذا لا يعفي العالم من واجب التحقق من قيمه قبل أن يمنح أصحابها مفاتيح مؤسسة أُنشئت باسم السلم والأمن الدولي والإنسانية جمعاء.
والسؤال الجوهري الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام العالم ليس من يملك القدرة على الوصول إلى المنصب، بل من يستطيع أن يتولاه بحقه من دون أن يصبح أسيراً لمن أوصله إليه؛ ومن يملك الشجاعة لوضع الحقيقة فوق المصالح، وحقوق الشعوب فوق حسابات النفوذ، والسلام العادل والامن والاستقرار للدول والشعوب،فوق أجندات القوة والنفوذ والطموح الشخصى عبر الدماء والأشلاء والجماجم.



