
■ خلونا في الصورة
■صباح أحمد
في خطوة مفاجئة وغير متوقعة، أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قراراً برفع الحظر عن استيراد المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية والمدخلات الصناعية التي سبق حظر استيرادها، مع إعفاء هذه السلع من الرسوم الجمركية.
القرار يفتح الباب واسعاً أمام العديد من الأسئلة والاستفهامات حول المبررات والأسباب التي دفعت البرهان إلى اتخاذ هذه الخطوة، والتراجع عن القرار السابق الذي أصدره رئيس مجلس الوزراء، كامل إدريس، في أبريل الماضي، القاضي بحظر استيراد 46 سلعة وصفها حينها بالكمالية وغير الضرورية.
وشملت قائمة السلع المحظورة الأرز والفول المصري والأسمنت والعطور والشعر المستعار والأعلاف والمواد الخام للشركات والأثاثات وألواح الزنك والسجاد والملبوسات الجاهزة والسيراميك والرخام والبورسلين، إلى جانب اللحوم المصنعة ومنتجات الألبان الجاهزة والإندومي والخضراوات والفواكه والمياه المعدنية والغازية والعصائر الجاهزة.
وهنا تبرز أسئلة مشروعة.. لماذا أصدر كامل إدريس قرار الحظر في ذلك الوقت؟! وما المبررات التي استند إليها؟ ..ولماذا استمر العمل بالقرار طوال هذه الفترة، وما الذي استدعى قرار إلغاءه الآن؟
وبعيداً عن التناقضات والتداخلات والتقاطعات بين مجلس السيادة ومجلس الوزراء، دعونا نتوقف عند الأسباب التي دفعت إلى اتخاذ قرار الحظر أولاً، ثم الأسباب التي استدعت إلغاءه.
ومن المفارقات أن القرارين، على الرغم من تناقضهما، استندا إلى مبررات اقتصادية متشابهة، تمثلت في الحد من ارتفاع سعر الدولار، ومكافحة الاحتكار والمضاربة، وتحقيق الوفرة في الأسواق، والحد من ارتفاع أسعار السلع.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه.. هل نجح قرار الحظر في تحقيق هذه الأهداف؟
لقد واصل الدولار ارتفاعه وتجاوز حاجز 10 آلاف جنيه، واستمرت موجات الغلاء، بينما ظلت كثير من السلع المحظورة متوفرة في الأسواق، بل إن بعضها كان متاحاً بكميات كبيرة وصلت إلى حد الإغراق.
وهذا يطرح تساؤلاً جوهرياً حول جدوى قرار الحظر ومدى فاعليته في معالجة الاختلالات الاقتصادية.
فإذا كانت السلع المحظورة لا تزال متوفرة بهذه الكميات، فما الأثر الفعلي الذي أحدثه القرار؟ وهل كانت المشكلة أصلاً في استيراد هذه السلع، أم في اختلالات أعمق تضرب الاقتصاد السوداني؟!
وفي المقابل، ليس من المستبعد أن يسهم قرار إلغاء الحظر في زيادة المعروض من السلع وتخفيف بعض الضغوط السعرية، خصوصاً مع الإعفاء من الرسوم الجمركية.. لكن لا يمكن الجزم بأن القرار سيؤدي تلقائياً إلى انخفاض الأسعار أو استقرار سعر الصرف، فالمشكلة الاقتصادية أكثر تعقيداً من أن تُحل بقرار إداري، سواء كان بالحظر أو بإلغائه.
كما أن فتح باب الاستيراد على مصراعيه، في ظل التدهور المستمر للعملة الوطنية وضعف الإنتاج المحلي، قد يزيد الطلب على العملات الأجنبية، ما لم تصاحبه سياسات اقتصادية متكاملة تضمن التوازن بين الاستيراد والإنتاج والتصدير.
المشكلة، إذن، ليست في الحظر وحده، ولا في إلغائه، وإنما في غياب المعالجات الجذرية التي تتعامل مع أسباب الأزمة بدلاً من الاكتفاء بقرارات قد تتغير بتغير الظروف أو الجهات التي تتخذها.
طيب..ما المطلوب للخروج من الأزمة؟
إن معالجة الوضع الاقتصادي الراهن تتطلب رؤية متكاملة تتجاوز قرارات الحظر والإعفاء، وتبدأ بالعمل على استقرار العملة الوطنية والحد من التدهور المستمر في قيمتها، إلى جانب دعم الإنتاج المحلي، وإعادة تشغيل المصانع، والاهتمام بالقطاعين الزراعي والبستاني، وتوفير مدخلات الإنتاج، وحماية المستثمر الوطني وتشجيعه.
كما تتطلب مواجهة شبكات الاحتكار والمضاربة، والتصدي للفساد الذي ينخر في جسد الدولة والمجتمع، ومحاربة المحسوبية والمحاباة، وظاهرة الشلليات والمجموعات المستفيدة من الكوارث والأزمات على حساب المواطنين.
ولا بد من مواجهة الممارسات التي تتحكم في السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها الوقود والدقيق، ومحاسبة كل من يستغل حاجة الناس لتحقيق مكاسب خاصة، إلى جانب ضبط سوق العملات الأجنبية والتصدي للمضاربات التي تزيد من تدهور قيمة الجنيه السوداني.
فالسوق لا يستقيم بقرارات إدارية متقلبة، وإنما بسياسات اقتصادية واضحة ومستقرة، وآليات رقابة فاعلة، وبيئة إنتاجية قادرة على تلبية احتياجات المواطنين وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
لكن الأهم من كل ذلك، وهو ما ظللنا ندعو إليه طيلة الفترة الماضية، هو إيقاف الحرب وتحقيق السلام.
فالسلام ليس مجرد مطلب سياسي أو أمني، بل هو ضرورة اقتصادية لا غنى عنها.. إذ يهيئ المناخ للأمن والاستقرار، ويفتح الطريق أمام عودة الإنتاج والاستثمار، وإعادة الإعمار، واستعادة النشاط الاقتصادي في القطاعات المختلفة.
ومن الصعب الحديث عن خفض الأسعار واستقرار سعر الصرف وجذب الاستثمارات، بينما تستمر الحرب بما تفرضه من دمار وتعطيل للإنتاج، واستنزاف للموارد، واضطراب في حركة التجارة، وتراجع في ثقة المستثمرين.
لا يمكن أن تستمر الحرب من جهة، ثم نجتهد من جهة أخرى في البحث عن حلول لخفض أسعار السلع ورفع قيمة العملة الوطنية، من دون معالجة الأسباب التي تقف وراء هذا الانهيار.
إن استمرار الحرب يعني استمرار استنزاف موارد البلاد وتعطيل قدراتها الإنتاجية، ويجعل أي محاولات للإصلاح الاقتصادي محاطة بتحديات كبيرة. ولذلك فإن تحقيق السلام وتهيئة الظروف للاستقرار يجب أن يكونا جزءاً أساسياً من أي رؤية جادة لإنقاذ الاقتصاد السوداني.
وبالطبع فإن حظر الاستيراد لم يكن حلاً للأزمة، ورفع الحظر ليس حلاً في حد ذاته. فكلا القرارين يظل محدود الأثر ما لم يستند إلى سياسة اقتصادية متكاملة تعالج جذور المشكلة، وتضع مصلحة المواطن في مقدمة الأولويات.
أما أن تظل القرارات تتوالى وتتراجع، بينما يواصل الدولار ارتفاعه، والأسعار اشتعالها، والمواطن وحده يدفع الثمن، فذلك يعني أننا لا نزال ندور في حلقة مفرغة، نعالج فيها النتائج ونترك الأسباب.
السؤال الذي نطرحه هنا.. هل نحن أمام مراجعة حقيقية للسياسات الاقتصادية، أم مجرد قرارات متعاقبة لا تستند إلى رؤية واضحة ومتكاملة؟
فالبلاد لا تحتاج إلى قرارات متناقضة بقدر حاجته إلى سياسات مستقرة، وإرادة جادة للإصلاح، ومواجهة حقيقية للفساد والاحتكار، ودعم الإنتاج الوطني، والأهم من ذلك كله، إيقاف الحرب وتحقيق السلام.
لأن إنقاذ الاقتصاد لا يبدأ بحظر سلعة أو السماح باستيرادها، وإنما بمعالجة الأسباب التي أوصلت البلاد إلى حافة الانهيار.



